سهام أفكاره تفك الزّرد ، وكنانة آرائه تجمع ما شتّ وشرد .
فهو للمعاني الباهرة مخترع ، وآت منها بأشياء لم يكن بابها قرع .
وباب الفتح لم يغلق ، وكم في خزائن الغيب من أشياء لم تخلق .
فسارت بأشعاره الصّبا والقبول ، وصادفت من الناس مواقع القبول .
كأنه نفس الرّيحان المبتلّ ، يمزجه بأنفاس النّور نسيم الروض المعتلّ . [ البسيط ]
أسرى وأسير في الآفاق من قمر * ومن نسيم ومن طيف ومن مثل
وقد أثبتّ من منتخبات قصائده ، وأدبه الذي علقت القلوب في مصائده .
ما لم يتغنّ بمثل خبره الحادي والملّاح ، ولم تزه بأحسن من وصفه قدود الحسان وخدود الملاح .
قال البديعيّ في وصفه ، وذكر ابتداء أمره ، وإيراد لمع من نثره وشعره :
نشأ في الشهباء ووجهه نسخة البدر في إشراقه ، يناجي العاذل عن عذر عشّاقه .
وهناك ما شئت من منظر عجيب ، ومنطق أريب .
كأن الجمال ملّكه رقّه ، ولم ير غيره من استحقّه .
وهو مع تفرّده بالحسن ، ولوع بالتجنّي وسوء الظنّ .
بصير بأسباب العتب ، يبيت على سلم ويغدو على حرب .
كم متيّم في حبه رعى النجم فرقا من الهجر ، لو رعاه زهادة لأدرك ليلة القدر .
بخيل بنزر الكلام ، يضنّ حتى بردّ السلام ، لا يطمع الدّنف بمرضاته ولو في المنام .
وأبناء الغرام يومئذ يفدونه ، ويرون كلّ حسن دونه . [ السريع ]
ومذ بدا العارض في خدّه * بدّلت الحمرة بالاصفرار
كأنما العارض لمّا بدا * قد صار للحسن جناحا فطار
ونسخت آية جماله ، وكسفت آية هلاله ، وحال ذلك البها عن حاله .
وصار ضياء محاسنه ظلاما ، وعقيان « 1 » ملاحته رغاما « 2 » . [ السريع ]
لو فكّر العاشق في منتهى * حسن الذي يسبيه لم يسبه
هامش
( 1 ) عقيان : الذهب الخالص . اللسان مادة ( عقا ) .
( 2 ) الرغام : التراب أو الرمل . اللسان مادة ( رغم ) .