ويلاه من جيد كماء الحياة * حفّ به زيق كشطّ الفراه
كأنما أطواقه حوله * فوّارة تمطر ماء الحياة
وقوله في القهوة ، مضمّنا بيت المتنّبيّ في مدح كافور : [ الطويل ]
بروحي غزال راح يترع قهوة * براحته البيضاء تحكي الغواليا
فقرّت به عين تطالع وجهه * وثغر ثناياه نظمن لآليا
فأحبب بها سوداء مسكيّة الشّذا * ولولا سواد المسك ما كان غاليا
لقد نظمت شمل المحبّ بحبّه * وأنست بياض الماء من كان صاديا « 1 »
فجاءت بنا إنسان عين زمانه * وخلّت بياضا خلفها ومآقيا « 2 »
وقوله : [ الخفيف ]
قيل لي كم ولم ترى تتمادى * في الهوى والطريق وعر قصيّ
قلت ظنّي باللّه ظنّ جميل * وبخير الأنام جدّي عليّ
إن للّه رحمة تسع الخل * ق جميعا فمن هو العرضيّ
« 114 » فتح اللّه بن النحّاس
أنا لا أجد عبارة تفي في حقه بالمدح ، فأرسلت اليراع وما يأتي به على الفتح .
وناهيك بشاعر لم يطنّ مثل شعره في أذن الزمان ، وساحر إذا أشربت كلماته العقول استغنت عن الكؤوس والنّدمان .
هامش
( 1 ) الصادي : العطش . اللسان مادة ( صدى ) .
( 2 ) ديوان المتنبي ص ( 4 / 407 ) .
( 114 ) - فتح اللّه ، المعروف بابن النحاس ، الحلبي .
الشاعر المشهور ، فرد وقته في رقة النظم والنثر وانسجام الألفاظ ، لم يكن أحد يوازيه في أسلوبه أو يوازنه في مقاصده ، وكثير من أدباء العصر يناضل في المفاضلة بينه وبين الأمير منجك . وكان في حداثته من أحسن الناس منظرا وأبهاهم صباحة ورشاقة ، وكان أبناء الغرام يومئذ يفدونه ، وهو يعرض عنهم ويجافيهم حتى تبدلت محاسنه ، فعطف عليهم يستمد ودادهم ، وكانت النفوس قد أنفت منه فرمته في زاوية الهجران ، ثم اندرج في مقولة الكيف ، وتزيا بزي الزهاد ، واتخذ من الشعر صدارة ، حدادا على وفاة حسنه ووفاة جماله . ثم ملّ الإقامة بين عشيرته فخرج من حلب وطاف البلاد ، وكان كثير التنقل لا يستقر بمكان إلا جدد لآخر عزما ، ودخل دمشق مرات ، وأقام بها مدة ، واتفق عند دخوله الأول جماعة من الأدباء المجيدين وكان لهم مجالس تجري بينهم فيها مفاكهات ومحاورات .
وكانت وفاته بالمدينة المنورة في صفر سنة اثنتين وخمسين وألف ، ودفن ببقيع الغرقد ، ا ه .
خلاصة الأثر ( 3 / 257 ) .