حيث لم أدّخر لسفر هذه الفرقة من زاد ، ولا بلّيت غليلها ببراد .
وأيم اللّه ما ذكرت لطائم أخلاقه الغرّ ، وحلاوة منطقه الحرّ .
وقطفه نور الفضائل ، وإهداءه باكورة المسائل .
وإحرازه قصب السّبق ، وثبوت قدمه على جادّة الصدق .
وإيواءه لي في حواشي ودّه الخصيب ، وإلباسي كلّ يوم رداء لفقده القشيب .
إلّا اتّقدت عليه حرّا ، وتأبّطت على الحمام شرّا .
وأسأل اللّه تعالى أن يجعل وفاته خاتمة كتاب الرّزايا ، وقافية بيت البلايا .
وأن يقلّم ظفر مصابه بأنامل الصبر ، ويذيقكم عن مرارة صابه حلاوة الأجر .
ومن شعره في أيام اغترابه ، يشتكي من كثرة اضطرابه : [ الطويل ]
أما لأسير الروم فكّ من الأسر * فقد ملكت آرامها القلب بالأسر
بها نثر شملي من ثغور تنظّمت * فيالك من نظم غدا داعي النّثر ولا بدع في أرض الثغور شتاتنا
ومن لي بلثم سدّ ذيّالك الثّغر * يذكّرنا روع العذارى بمنزل
أجاد المنازي وصفه غابر الدّهر « 1 » * إذا همست في شكر غيرك ألسن
فأنت لك الأسفار تعلن بالشّكر * بقيت لك العلياء تعطي قيادها
بتلك اليد البيضاء والبيض والسّمر
وله يتشوّق إلى أحبابه ، ويحنّ إلى معاهد صبوته وشبابه : [ الخفيف ]
يا بريد الأشواق أوجف لدار * هي مصطاف لوعتي وشبابي
واختبر أسرة أراهم بكاسي * ما تذكّرتهم بطافي الحباب
هل هواهم بنا كما قد عهدنا * أم قضى شخصه بحبّ اغترابي
فمن اللّه أستعيد لقاهم * وبه إن جفا الحميم احتسابي
فهو عون النّائي الغريب إذا ما * عضّه حادث الزمان بناب
وقال : [ الطويل ]
أحنّ إلى شهبائنا وقويقها * إذا انساب منه بالنّيارب سلسال « 2 »
وأظمأ حتى أرتوي منه باللّمى * وألثم أرضا دونها خفق الآل
ولم تستملني الروم شمس مدامها * تدار بكفّ البدر والمرء ميّال
فماء بلادي كان أنجع مشربا * ولو أن ماء الروم صهباء جريال
هامش
( 1 ) المنازي : أبو نصر أحمد بن يوسف ، تقدم ذكره في ترجمة رقم ( 110 ) .
( 2 ) اسم منطقة في حلب .