فكنت فتى قذفته رقّة الحال على بريد النّوى ، واعتنقته الهمة العاقر وألقحت بعزمه لواقح المنى .
أساير عساكر النجوم والأفلاك ، وقد ركز الليل رمح السّماك .
فأنخت راحلتي بمخيّم المجد ، وقرارة ماء السّعد .
كعبة الأفاضل إلا أنهم يحجّون إليها كلّ آن ، وسوق عكاظهم إلا أنها تنصب فيها مصاقع الروم لا مصاقع عدنان .
فلما ألقتني فيها أرجوحة المقادير ، فإذا هي فلك العزّ ومطلع التّدبير .
إلا أن حالي تقسّمت فيها بين الاغتراب والاضطراب والاكتساب أثلاثا ، فما نزلت منها منازل إلا حسبتها عليّ أجداثا .
وسقتني الدّرديّ من أول دنّها ، وسوء العشرة باكورة فنّها .
كل هذا وأنا أستلين مسّ خشونتها ، وأسيغها على كدرتها .
وأقول : إذا لم تتمّ الصدور فستتمّ العواقب .
وإن لم ترش القوادم فستريّش الخوافي والجوانب .
وكتب إلى حلب لبعض أودّائه :
وأيم اللّه لقد طال حديث الفراق واستطال عليّ سلطانه ، وقد قرأت كتابه فما سرّني خاتمته ، بقدر ما ساءني عنوانه .
وكلما محت أنامل وشك الملتقى من أسطره سطرا ، خطّت أقلام ممليه عوضه عشرا .
وكلما استنهضت عزيمتي أقعدتها كلاكل « 1 » التّواني ، وحالت بينها وبين مخدّرات الأماني .
فإلى اللّه عز وجل أرفع يد التضرّع ، وأذري في ساحة الدعاء دموع التفجّع والتوجّع .
أن ينظم ذات البين ، ويجدع بحدّ الاجتماع مارن البين .
وكتب من تعزية بنقيب أشراف حلب :
ما أيقنت أن قسطنطينيّة هي الجزيرة السودا حتى وقع لديّ طير هذا النّعيّ ، الذي ما زال حامله يلطم خدود الأرض بأيدي المطيّ .
فيا له من خبر حين زاد في مرض القلوب ، وشقّ الأكباد قبل الجيوب .
وقرأت ما كتبته أقلام التفجّع بأفواه الجفون ، ونثرت عندها عقد شملي المصون .
هامش
( 1 ) الكلاكل : الجماعات . اللسان مادة ( كلل ) .