تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
فكنت فتى قذفته رقّة الحال على بريد النّوى ، واعتنقته الهمة العاقر وألقحت بعزمه لواقح المنى . أساير عساكر النجوم والأفلاك ، وقد ركز الليل رمح السّماك . فأنخت راحلتي بمخيّم المجد ، وقرارة ماء السّعد . كعبة الأفاضل إلا أنهم يحجّون إليها كلّ آن ، وسوق عكاظهم إلا أنها تنصب فيها مصاقع الروم لا مصاقع عدنان . فلما ألقتني فيها أرجوحة المقادير ، فإذا هي فلك العزّ ومطلع التّدبير . إلا أن حالي تقسّمت فيها بين الاغتراب والاضطراب والاكتساب أثلاثا ، فما نزلت منها منازل إلا حسبتها عليّ أجداثا . وسقتني الدّرديّ من أول دنّها ، وسوء العشرة باكورة فنّها . كل هذا وأنا أستلين مسّ خشونتها ، وأسيغها على كدرتها . وأقول : إذا لم تتمّ الصدور فستتمّ العواقب . وإن لم ترش القوادم فستريّش الخوافي والجوانب . وكتب إلى حلب لبعض أودّائه : وأيم اللّه لقد طال حديث الفراق واستطال عليّ سلطانه ، وقد قرأت كتابه فما سرّني خاتمته ، بقدر ما ساءني عنوانه . وكلما محت أنامل وشك الملتقى من أسطره سطرا ، خطّت أقلام ممليه عوضه عشرا . وكلما استنهضت عزيمتي أقعدتها كلاكل « 1 » التّواني ، وحالت بينها وبين مخدّرات الأماني . فإلى اللّه عز وجل أرفع يد التضرّع ، وأذري في ساحة الدعاء دموع التفجّع والتوجّع . أن ينظم ذات البين ، ويجدع بحدّ الاجتماع مارن البين . وكتب من تعزية بنقيب أشراف حلب : ما أيقنت أن قسطنطينيّة هي الجزيرة السودا حتى وقع لديّ طير هذا النّعيّ ، الذي ما زال حامله يلطم خدود الأرض بأيدي المطيّ . فيا له من خبر حين زاد في مرض القلوب ، وشقّ الأكباد قبل الجيوب . وقرأت ما كتبته أقلام التفجّع بأفواه الجفون ، ونثرت عندها عقد شملي المصون .
هامش
( 1 ) الكلاكل : الجماعات . اللسان مادة ( كلل ) .