« 113 » السيد محمد بن عمر العرضيّ
هو من ألقيت إليه في كرم الطبع أعنّة السّلم ، فلو لا توقّد ذهنه لاخضرّ في يده القلم .
مكانته من الشهرة حيث يستبين للمبصر النهار ، وطبعه يتنفّس عن المعاني تنفّس الروض عن الأزهار .
وله عذب لفظ يلفظ الدّرر الزّواهر ، وفي غير هذا العذب لا تتكوّن الجواهر .
ينظم فيوزّع على العقول سحرا ، وينثر فيفرّق على الأفواه درّا .
فهو يذيب الشعر والشعر يذيبه ، ويدعو القول والسحر يجيبه .
إذا خطّ في الطّرس نمّ ببدائع الآثار ، وأطرب حتى كأن قلمه مضراب وسطوره أوتار .
فيجيء من أبكار أفكاره ، بما يستعير الرّحيق السّلسل من فضل إسكاره .
وكان دخل الروم مقدّرا أن المتاع بأرضه يسترخص ، وأن المرء يبلغ مناه في أيّ وجه يشخص .
فلم يحصل على ما يستحقه وفور كماله ، فقال يذكر ما لقيه من تخلّف آماله :
لما ضاقت رقاع بلادي ، ونفدت حقيبة زادي .
فوّقت سهام الاحتيال ، وأجلت قداح الفال .
فكان معلّاها السّفر ، سفينة النجاة والظّفر .
طفقت أتوكّأ على عصا التّسيار ، وأقتحم موارد القفار .
أفري فلاة يبعد دونها مسرى النّعيّ ، وألطم خدود الأرض بأيدي المطيّ .
هامش
( 113 ) - محمد بن عمر بن عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمود بن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسين العرضي ، الحلبي .
كان من الفضل في مرتبة الآحاد ، ومن الأدب في مرتبة لا تنال بالاجتهاد ، وكان له سيادة من جهة أمه ، فهو سيد قومه ، وقد ولي القضاء مدة طويلة ثم درس بالمدرسة الكلتاوية والسعيدية ، وولي إفتاء الحنفية بحلب مدة سنتين ، ثم سافر إلى الروم وأقام بها مدة مديدة ، وأخذ بها عنه الأدب جماعة من الصدور ، ولما مات أخوه أبو الوفا صار مكانه مفتي الشافعية بحلب ، وواعظا بجامعها ، وحصل له جذب إلهي ، وتكلم في وعظه برموز ودقائق على لسان القوم ، ووعظ أربع مرات ثم مات .
وكانت وفاته في صفر سنة إحدى وسبعين وألف ، وبلغ من العمر نحو ستين سنة . ا ه . خلاصة الأثر ( 4 / 89 ) .