الباب الثاني في نوادر أدباء حلب
وهي البلدة الطيّبة الماء والهوا ، التي توافقت على حسن بنائها ولطف أبنائها الأهوا .
أحياها اللّه تحية تنحطّ بالخصب سيولها ، وتجرّ باللطف على سرحة الرياض ذيولها .
فيها التّرحيب مذخور للمقيم والظّاعن ، ولا محلّ فيها يلفى للقادح والطاعن .
ولها المرأى الذي يسافر فيه الطّرف فيأخذ بحظّه ، ويستولي عليه الفرح حتى يخاف على قلبه ولحظه .
فبينا تحسب الأرض نضارا تكتسي برد الضّحى فتحسبها عسجدا ، وبينا ترى جنّاتها أنبتت درّا إذا هي أطلعت زبرجدا .
وهناك الحصن الذي عانق السّماك ، يكاد أهله يقتطفون نرجس الكواكب من فلك الأفلاك . [ الطويل ]
يزرّ عليه الجوّ جيب غمامه * ويلبسها من حليه الأنجم الزّهرا
وقد أحاط به الخندق إحاطة الهالة بالقمر ، والسّوار بالمعصم ، وحوله الأبنية الشامخة تستنزل بحسن رونقها النّسر المحلّق والغراب الأعصم .
ولأهلها من عهد بني حمدان أمراء الكلام ، وأجلّ من استعملت في مدائحهم الدّويّ واستخدمت الأقلام .
اعتلاق بالأدب وارتباط ، وتفوّق فيه يدعو إلى حسد واغتباط .
ولشعرهم في القلوب مكانة ، كأنما شيّدوا بأهواء القلوب أركانه .
فصبّوا على قوالب النجوم ، وغرائب المنثور المنظوم .
وباهوا غرر الضحى والأصائل ، بعجائب الأشعار والرسائل .
وقد ظهر منهم قريبا جماعة تنازعوا الفضل في غايات مستبق ، وكلّ منهم وإن اختلفت حاله فالقول في فضله متّفق . [ الطويل ]