هو الحبّ لا قرب بدوم ولا بعد * وقد دقّ معنى أن يحيط به حدّ
يحار أولو الألباب في كنه ذاته * فمن جدّه هزل ومن هزله جدّ
لك اللّه قلبي كم تجنّ لواعجا * يذوب لأدنى حرّها الحجر الصّلد
نصحتك جهدي لا قبلت نصيحتي * فعدل الهوى جور وحرّ الهوى عبد
لقد عالج الحبّ المحبّون قبلنا * فما نالهم إلا القطيعة والصّدّ
فإن قال قوم إن في العشق لذّة * فما أنصفوا هذا خلاف الذي يبدو
نعيم هو البلوى وريّ هو الظّما * وذاك فناء الجسم يجلبه الوجد
على أنني جرّبته وبلوته * إذا أنه كالصّاب ذيف به الشّهد « 1 »
وما قلت جهلا بالغرام وإنما * يصدّق قولي من له بالهوى عهد
وقوله من أخرى ، أولها : [ السريع ]
ما لاح برق بربى حاجر * إلّا استهلّ الدمع من ناظري
ولا تذكّرت عهود الحمى * إلا وسار القلب عن سائري
أوّاه كم أحمل جور الهوى * ما أشبه الأول بالآخر
يا هل ترى يدري نؤوم الضحى * بحال ساه في الدجى ساهر
تهبّ إن هبّت يمانيّة * أشواقه للرّشأ النافر
يضرب في الآفاق لا يأتلي * في جوبها كالمثل السائر
طورا تهاميّا وطورا له * شوق إلى من حلّ في الحائر
كأنّ ممّا رابه قلبه * علّق في قادمتي طائر
أصل هذا المعنى لعروة بن حزام ، قال « 2 » : [ الطويل ]
كأنّ قطاة علّقت بجناحها * على كبدي من شدّة الخفقان
وقوله ، من أخرى : [ الطويل ]
لك الخير لا زيد يدوم ولا عمرو * ولا ماء يبقى في الدّنان ولا خمر
فبادر إلى اللّذّات غير مراقب * فما لك إن قصّرت في نيلها عذر
فإن قيل في الشّيب الوقار لأهله * فذاك كلام منه في مسمعي وقر
هامش
( 1 ) الصاب : الصبيب الجليد . اللسان مادة ( صبب ) . ذيف : الذوف : الخلط . اللسان ، مادة ( ذوف ) .
( 2 ) البيت في فوات الوفيات ( 1 / 74 ) .