وقالوا نذير الشيب جاء كما ترى * فقلت لهم هيهات أن تغني النّذر
لئن كان رأسي غيّر الشيب لونه * فرقّة طبعي لا يغيّرها الدهر
يقولون دع عنك الغواني فإنما * قصاراك لحظ العين والنّظر الشّزر
وهل فيك للغيد الحسان بقيّة * وقد ظهر المكنون وارتفع السّتر « 1 »
وما للغواني وابن سبعين حجّة * وحلم الهوى جهل ومعروفه نكر
فقلت دعوني والهوى ذلك الهوى * وما العمر إلا العام واليوم والشهر
نشأت أحبّ الغيد طفلا ويافعا * وكهلا ولو أوفي على المائة العمر
وهنّ وإن أعرضن عني حبائب * لهنّ عليّ الحكم والنّهي والأمر
أحاشيك بي منهنّ من لو تعرّضت * لنوء الثّريّا لاستهلّ لها القطر
ترقرق ماء الحسن في نار خدّها * فماء ولا ماء وجمر ولا جمر
فيا بعد ما بين الحسان وبينها * لهنّ جميعا شطره ولها الشطر
برهرهة صفر الوشاح إذا مشت * تجاذب منها الرّدف والعطف والخصر
من البيض لم تغمس يدا في لطيمة * وقد ملأ الآفاق من طيبها نشر
تخرّ لها زهر الكواكب سجّدا * وتعنو لها الشمس المنيرة والبدر
تخال بجفنيها من النوم لوثة * وتحسبها سكرى وليس بها سكر
وقالوا إلى هاروت ينسب سحرها * أبى اللّه بل من لحظها يؤخذ السحر
تخالف حالي في الغرام وحالها * لها محض ودّي في الهوى ولي الهجر
وقوله من أخرى ، أولها : [ الطويل ]
أربع الندى لا زال نجمك مشرقا * وسحّ سحاب العزّ فيك وأغدقا
ولا برحت فيك السّعود سوانحا * لتجمع من مكنونها ما تفرّقا
سقاك رضاب الغانيات إذا أبت * عيون الغوادي فيك أن تترقرقا
لتغدو رباك الساميات كأنما * كستها يد الأنواء وشيا منمّقا
إذا ما ذوى نبت الرّياض فنوره * نضارته تبقى إذا الدهر أخلقا
فكم قد نهبنا فيك أوقات لذّة * رقمنا بها في الدهر رسما محقّقا
يدير علينا اللهو في طيّ نشرها * كؤوس الصبا لا البابليّ المعتّقا
هامش
( 1 ) الغيد : جمع غيداء ، المرأة الناعمة المتثنية في مشيتها . اللسان مادة ( غيد ) .