فما أخصب له واد ولا نما ، فكأنه العروض بحر بلا ما .
وأنا لم أقف من شعره إلا على قصيدة لاميّة ، راجع بها الإمام خير الدين الرّمليّ عن قصيدة على وزنها . مطلعها : [ البسيط ]
ما كان مرمى فؤادي حيث هيّئ لي * فيه البناء بهند بعد مرتحلي
وقصيدته هي قوله :
صوب من الغيث وافى زائد الهطل * أحيا ربا القدس بعد الجدب والمحل
أم شمس فضل ترقّت في مطالعها * أوج الفخار فحلّت ذروة الحمل
أم بدر أفق المعالي قد تنقّل في * بروجه وكمال البدر في النّقل
لا بل هو الجامع العرف الذي ملكت * أوصافه الغرّ رحب السهل والجبل
أراد ربّك في تحريكه حكما * وربّما صحّت الأجسام بالعلل
فزيّن المسجد الأقصى بحليته * وشوّه الرّملة الرّملاء بالعطل
فاهتزّ من طرب هذا لزورته * وارتجّ من حرب هذا لمرتحل
فكم على الساحل البحريّ من حزن * وكم على المسجد القدسيّ من جذل
وكيف لا وهو خير إن أقام على * أرض تسامت وإن يرحل فلا تسل
تجمّعت فيه أوصاف الكمال كما * تجمّعت قسم التّفصيل والجمل
أحيى الدّروس وقد أحفى الدّروس بها * وجاد وابلها الظمآن بالنّهل « 1 »
معالم لو رأى الرّازي حقائقها * لبات بالرّيّ يشكو أبرح الغلل « 2 »
بجود كفّ لو الطائيّ شاهده * لقال لا ناقتي فيها ولا جملي
ومنطق يترك الألباب حائرة * والكامل العقل مثل الشارب الثّمل
كم أنشدت لذوي الفتوى براعته * أصالة الرأي صانتني عن الخطل « 3 »
قلّدت جيد أهالي القدس عقد ثنا * من درّ ألفاظك الخالي عن الخلل
قصيدة ما لها مثل يناظرها * سارت بلاغتها في الكون كالمثل
لو أنصفوا لم يكن موجودهم بدلا * عنها وهل ليتيم الدّرّ من بدل
من أعجب الأمر تقريظي لها هذرا * ولو سترت عواري كان أصلح لي
هامش
( 1 ) النهل : أول الشرب . اللسان مادة ( نهل ) .
( 2 ) الغلل : بفتح الغين هو الصواب : هو الماء الذي يجري بين الشجر كناية عن أنه كثير فاض عن مكانه . اللسان مادة ( غلل ) .
( 3 ) الخطل : هو سرعة وخفة ، وكل سريع ذو خفة ، إما في الحركة أو الكلام يقال له : الأخطل .
اللسان ، مادة ( خطل ) .