وله كلمات كحديث الصديق ، أو عتيق الرّحيق ، يجمع لذّة حلو الحديث إلى نشوة المرّ العتيق .
بخطّ ينطق من غير لسان ، ويفصح من غير بيان .
وشعر إذا رأيته ، رويته .
ونثر تحفظه ، حين تلحظه .
وله تآليف ضربت من الإجادة بسهم ، وأقرّ لها أهل البلاغة من كل شهم .
هي لعقد الفضل واسطة النّظام ، ولمطلع المجد بيت القصيد وحسن الختام .
فمن شعره قوله ، من قصيدة مطلعها : [ الطويل ]
حديث غرامي في هواك صحيح * وقلبي كأقوال الوشاة جريح
وشوقي إلى لقياك شوق حمامة * لها فوق أفنان الغصون صدوح « 1 »
فتندب أطلالا لها ومعاهدا * وتظهر أشجانا لها وتصيح
فلا مؤنس في الدار لي غير صوتها * إذا هاج وجدي والدموع تسيح
كلانا غريب يشتكي الهجر والنّوى * فيبكي على إلف له وينوح
فقلبي وجفني ذا يذوب صبابة * حزينا وهذا بالدموع قريح
ومهجة صبّ مستهام متيّم * بها صار من داء الغرام قروح
أهيم غراما حين أذكر جلّقا * ودمعي بسفح القاسيون سفوح « 2 »
ولو كان طرفي في يديّ عنانه * سعيت ولكن عن مناي جموح
وقوله من أخرى ، مستهلها : [ الطويل ]
رعى اللّه أيام الشّبيبة من عصر * وهزّ نسيم العيش ريحانة العمر
وحيّى بقاعا تنبت الحسن تربها * وتبدي لنا الأقمار من فلك الخدر
حللت بها والدهر أبيض مقبل * وعيشي مقيم في خمائله الخضر
تحيط بي الغيد الحسان أوانسا * كما اشتبكت زهر النجوم على البدر
هذا نقل من قول ابن خفاجة في النسيب « 3 » : [ الطويل ]
هامش
( 1 ) صدوح : الصدح : الصياح ، شدة الصوت وحدته . اللسان ، مادة ( صدح ) .
( 2 ) جلّق : موضع بالشام . اللسان مادة ( جلق ) .
( 3 ) ديوان ابن خفاجة 124 .