لناظريّ ملمحا ، واتّخذته لفكري من بين المعارف مطمحا . وكنت أعدّه لصحائف الشّمائل عنوانا ، وأرتّب لبيت قصيدة في بدائع المآثر ديوانا .
وأشيم من آفاقه بوارق السّحر ، وأشمّ من أردانه روائح الشّحر .
فأرتشف منه ما هو أشفّ من الماء في زجاجه ، وأشتفّ ما هو ألذّ من الرّحيق في مزاجه .
وأنا من الابتهاج به كما التقى الغدير بالزّهرة ، ومن التّملّي به كما تقابلت الثريّا بالزّهرة .
فطالما وردت منه ما صفا من الأمواه ، وبسطت حجري لالتقاط درره من الأفواه .
وعكف طرفي في محاريب دفاتره ورشف يراعي ماء الحياة من ظلمات محابره .
هذا وغصن شبابي غضّ وريق ، وتحايا مدامي « 1 » عضّ وريق .
وأنا أجري في طلق الصّبا طلق الصّبا ، وأذهب في نيل البغية مذهبا مذهبا .
فكم ليلة نادمت فيها الأماني ، ووفى لي في جنحها بالضّمان زماني .
فتناولت أحاديث كالأرياق ، نظمتها كالعقود تلوح من الأزياق .
وذلك في مسقط رأسي ، ومشتعل ذؤابة نبراسي .
خطّة السّرور والفرح ، وحلّة القدح والقدح .
ومنى الأماني ، ومغنى الأغاني .
وقبلة القبول ، وشملة الشّمول .
البلدة الفيحاء دمشق ، الطيّبة العرف والنّشق .
لا زال خفّاق النّسيم يلعب بعذبات واديها ، وهطّال السحاب يراوح دمنتها ويغاديها .
وحيّا اللّه أعزّاها الذين بهم التقيت ، ونجوم أفقها الذين بصحبتهم ارتقيت أديبهم يهزّ له الأدب هيف معاطفه ، وأريبهم يمدّ به النّدى بساط عواطفه .
يرمون عند هدر الشّقاشق في حدق البيان ، ويصيبون بالكلم الرّواشق غرض التّبيان .
ويتنافسون من السّحر في المناظم ، وما يتصرّفون فيه إلّا على ذائقة الأعاظم .
من بدائع لو عثر عليها سحرة موسى لتابوا ، وروائع لو اطّلع عليها المصوّرون لعدلوا عن نهجهم وأنابوا .
وما منهم إلا من بطش فيما انتحى بباع بسيط ، ولم يزل عن موقف الصّواب مقدار فسيط .
هامش
( 1 ) المدامة : التي أديمت في مكانها حتى سكنت حركتها ، أو لأن شربها يدام أياما دون سائر الأشربة .
انظر : فقه اللغة وسر العربية 2 / 463 . واللسان ، مادة ( دوم ) ، وأساس البلاغة ، مادة ( دوم ) .