وكان بقي للشّعر خصاصة فاستظهروا على سدّها ، وأنشوطة استنهضوا هممهم لشّدّها .
صنيعهم صيّر الزّمان من تقصيره في وجل ، وأظنّه أطلع الورد في خدّ الربيع إشارة لما عنده من الخجل .
فوسقت في بحارهم السّفائن ، واستخرجت من محاسنهم الدّفائن .
واجتنيت من ثمرات خواطرهم كلّ يانع مستطاب ، وحشوت صدفة أذني من تلك اللآلئ الرّطاب .
وملأت السّمع منهم كلما * يحسد القلب عليه الأذنا
لكنّي لم أقض من رؤيتهم مطمعا ، حتى غربوا هم وشمس الفضل معا .
فعاينت الوجود دونهم كالنّهار بلا شمس ، وعاينت الأمر ولا هم كالرّاحة بلا خمس .
وفقدت بهم الوطر الذي شايعته ، والأمل الذي على الوفاء والرّعي للذّمم بايعته .
فلم ألبث حتى كرهت الثّوى ، وتحرّكت عزيمتي لداعي النّوى .
فأنضيت لجهة الرّوم العزم ، وأدخلت على حرف العلّة عامل الجزم .
فعل امرئ جدّ جدّه ، وما رأيه إلّا في مفخر يستجدّه .
فإن في الانتقال تنويها لخامل الأقدار ، ولولاه لم يكس البدر حلّة الأبدار .
وكذا الدّرّ ضائع الحسن في البح * ر فإن بان عنه راق جمالا
ومياه البحار ملح فمهما * حملتها السّحاب عدن زلالا
فدخلت أمّهات بلادها دور الخلافة ، واستقرّيت آخرا بقسطنطينيّتها ، لا زالت مصونة من كلّ آفة .
والدّولة إذ ذاك بالكلمة الغالبة تنطق ، والدّنيا تتوشّح بتلك الحماية وتنتطق .
والأيام مقسطة ، والأنام منبسطة .
والزمان كلّه نهار ، والمنابت طرّا أزهار .
وملك الزّمان السلطان محمد ، ختم اللّه بتأمينه ، مذ صافحت آفاقها أسرّة جبينه .
حدّثت عن الحياة الخضرة جنباتها ، واستحال زمرّدا وزبرجدا نباتها .
والأفئدة بطاعته تدين ، وقد تهنّى بمكانه الدّنيا والدّين .
ورأيت أستاذي الشيخ محمد بن لطف اللّه الذي توجّهت بكلّيّتي إليه ، وأوقفت أملي مذ أنا يافع عليه .
وهو مقصد الواصف والمادح ، وملهج لسان النّاطق والصّادح .
وقد استوفى من الصّدارة تمام العزّة ، وأوفى شرفه على كلّ الأعزّة .