وكان للأدب ممن تلافى ذماه ، وروى ببشره ظماه .
فأصبحت حسنات الدهر به موفورة ، وسيّآته بوجوده مغفورة .
ونفضت لديه علائق التّرحال ، ورفرفت عليه آمال الرّجال .
من كلّ من اتّخذ الأدب مفخرا يرغم به أنوف المفاخرين ، والثّناء الجميل مدّخرا ، وهو لسان صدق في الآخرين .
فحاسيتهم بحضرته كؤوس مودّة أصفى من الماء ، وتلقّيت منهم كلّ نادرة تفضح نجم السّماء .
ثمّ لمّا قضى اللّه موت الأستاذ ، برّد اللّه حفرته ، ونوّر بنور الغفران غرّته .
قضاء منه سبق في بريّته ، وسوّى فيه بين آدم وذرّيّته .
رأيت الدّهر قد عاندني في الدّيار والأحباب ، وكساني المشيب قبل أن أعرف مقدار حقّ الشّباب .
وقد ولّتني الثّلاثون أذنابها ، وصبّت عليّ المصائب ذنابها .
وغاب هلال الصّبا في مغاربه ، وألقيت حبل الصّبا على غاربه .
بعد ما كان ذرعي عن هموم الأثر خاليا ، وحالي ببرد العيش حاليا .
فرميت الشّام بعزمة المنتاب ، وقد رضيت من الغنيمة بالإياب .
فحلّيتها في عصر ذهب رواؤه ، وفرغ من المعارف إناؤه .
وعضد الأدب هيض « 1 » ، وثمده بعد هنيئة غيض .
حتى تقلّصت ذيول ظلاله ، وبكت عيون المنى على أطلاله .
والناس إمّا ساكت ألفا ، أو ناطق خلفا .
ولزمت كسر البيت ، وسكنت سكون الميت .
متكفكفا بما في يدي ، ومستدفعا ليومي وغدي .
وأنا في الدّنيا الموصوفة بالنّضارة ، من جملة النّظّارة .
أرمقها يمنة ويسرة ، فلا أرى إلّا هما وحسرة .
ولا أراني إلّا كاسفا معنّى ، وكأنّني لفظ بلا معنى .
فرمان فرحي أقصر من التفات الحبيب ، وتلفّتي للسّرّاء تلفّت المريض للطّبيب .
في أوقات أثقل من الحديث المعاد ، وأطول من عمر الانتظار لوقت الميعاد .
ولا سمير لي أوانسه ، ولا جليس عندي أجانسه .
سوى أوراق مزّقتها الرّيح ، وفرّقت شملها التّباريح .
التقطتها كلّ واحدة من بقعة ، وجمعتها من كلّ رقّ رقعة .
هامش
( 1 ) من المجاز ، هاضه الكرى ، وبه هيضة الكرى : تكسيره وتفتيره . وتماثل المريض فهاضه كذا :
نكسه . ا . ه انظر أساس البلاغة ، مادة ( هيض ) .