صادف القلب خاليا فاحتواه * مطمئنّا وكان بالمرصاد
معنى البيتين ينظر إلى قول الآخر : [ الطويل ]
أتاني هواه قبل أن أعرف الهوى * فصادف قلبا خاليا فتمكّنا
نقل عن أبي بكر الأصبهانيّ أنه عابه ، فقال : كلّ من صادف مكانا خاليا تمكّن فيه ، والمستحسن أن يعرفه من دونه .
أقول : هذا كلام من لم يذق حلاوة المعاني ؛ فإن الشاعر قصد أن غرامه قائم ، لم يسبقه غيره ، فإنه متمكّن في قلبه لا يزول ، وما قصد معنى آخر ، كما قيل : [ الطويل ]
أتاني هواه والهوى قد أحاط بي * ليجمل بيت القلب للحبّ منزلا « 1 »
فصيّرته وقفا عليه ولم يجد * إليه سبيلا غيره فتحوّلا
تتمّة الأبيات الأولى :
كان لي منك لحظة أصطفيها * فغدا لحظها كسيف الأعادي
كنت أخشى غرارها وهي سلم * كيف إذ جرّدت من الأغماد
عملت للوشاة فينا سيوف * عجبا رحن وهي غير حداد
لست مستسعدا حبيبا تجنّى * لي ذنبا وصدّ عن إسعادي
آه من وصلك البعيد التّداني * آه من هجرك الكثير التّمادي
لا ابتلاني الإله بعدك حتّى * يلبس الخدّ منك ثوب الحداد
ويرى الورد كالبنفسج لونا * منك الأقحوان غير نوادي
إذ عرى نرجس العيون ذبول * وغدا الغصن ليس بالميّاد
ذاك نوحي عليك وهو زمان * منصف للهوى من الأضداد
ومن نتفه قوله : [ البسيط ]
علّمتني الذّلّ حتى صرت آلفه * وما التّذلّل خلق الباز والأسد
يا من أهان فؤادي في محبّته * أعزّك الله فارحمني ولا تزد
قد صرت طوع يد الأشواق مكتئبا * من بعد ما كانت الأشواق طوع يدي
وقوله : [ الطويل ]
وأذكرني قدّ القناة قوامه * وهزّني الشوق اهتزاز المهنّد
وأزعجني حتى ظننت وسادتي * عليّ وقد أمست كقطعة جلمد
ألا إنّني يا شوق باللّه عائد * ومستشفع من فتنتي بمحمّد
هامش
( 1 ) انظر عيون الأخبار ( 3 / 9 ) ونسبه ابن قتيبة إلى عمر بن أبي ربيعة ، وهو مما ليس في ديوانه . وفي عيون الأخبار : « أتاني هواها . . . قلبا فارغا . . . » .