تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
ودخل على شيخنا إبراهيم الخياريّ المدنيّ ، حين قدم الشام زائرا ، أثر انقطاع ربما أوجب تهاجرا . فقابله معتذرا ، وأنشدني معنى مبتكرا : وهو : [ الطويل ]
وما عاقني عن لثم أذيال فضلكم * سوى أنّ عيني منذ فارقتكم رمدا فعاتبتها حتى كأنّي حبيبها * فأبدت كلاما كان قلبي له غمدا وقالت لقد كحّلت طرفي بظرفه * فأفتحها سهوا وأغمضها عمدا
فخاطبه الخياريّ بقوله « 1 » : [ الطويل ]
أيا فاضلا أبدى لنا في نظامه * لطيف اعتذار سكّن الشّوق والوجدا وأشفى بلقياه مريض بعاده * وقد كان أشفى للبعاد وما أودى فصان إله العرش مقلته التي * ترى كلّ معنى دقّ عن فهمنا جدّا لئن كحّلت بالظّرف قد أسكرت بما * أدارته من مقلوب أحداقها شهدا فإن ترني أشتاق خمرة قرقف * فأطلبها سهوا وأتركها عمدا

« 59 » عبد القادر بن عبد الهادي العمريّ

ممّن سابق في ميدان البراعة حتى أحرز مداها ، ودأب في تحصيل المعارف إلى أن وجد على نار فكرته هداها . فإذا قدح بالظّنّ أثقب ، وإذا ولّد بالرجاء أنجب . يعرف النّقاية فينتقيها ، ولا يمرّ بالنّفاية التي ينتفيها . ويطالع ما وراء العواقب ، بمرايا من التّجارب الثّواقب . فلا تبيت فكرته بهم مرتبطة ، حتى تصبح بحلّ عقدتها مغتبطة .
هامش
( 1 ) انظر خلاصة الأثر ( 2 / 117 ) . ( 59 ) - هو عبد القادر بن بهاء الدين بن نبهان بن جلال الدين بن تقي الدين ، أبي بكر المعروف بابن عبد الهادي العمري الدمشقي ، الشافعي . المحقق ، المدقق ، الفطن الذيق ، كان من الغواصين على المباحث وحل غوامضها وتبين مبهماتها ، وكان أغلب معلوماته أصول الدين والفقه ، وبهما تقوى وضبط التحقيقات والإتقان للعلوم الطبيعية والرياضية . وقرأ الكثير ، وقيد وضبط واستفاد وأفاد . ومن مشايخه الذين أخذ عنهم : المنلا محمود الكردي والمنلا محمود أمين اللاري والشيخ إبراهيم الفتال ، وحضر دروس السيد محمد نقيب الشام المعروف بابن حمزة في التفسير وغيره وجل انتفاعه به ، وتصدر للإقراء فاشتغل عليه جمع كثير منهم ابن عمه عبد الجليل . وألف كتبا كثيرة منها : شرح على « عقيدة المقري » المسماة ب « إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة » واختصر « الهمع » للسيوطي في النحو وشرحه شرحا نفيسا . وله منظومات في علوم متفرقة ومسائل متنوعة . وسافر إلى الروم وكان وهو بالروم مات الشيخ الإمام عبد القادر الصفوري وكان مدرس دار الحديث الأشرفية فوجهت لصاحب الترجمة فقدم دمشق وأقام بها . وكان ابتلي بمرض المراقيا وعالجه مدة فلم يفد علاجه ثم استحكم فيه فكان سبب وفاته في سنة مائة وألف ، ودفن بمقبرة الفراديس . ا . ه . خلاصة الأثر ( 2 / 437 ) .