من كلّ من جعل الدجى فرعا له * والبدر وجها والصباح الجيدا
ريّان من ماء النعيم إذا بدا * خرّت له زهر النجوم سجودا
كالماء جسما غير أن فؤاده * أضحى على أهل الهوى جلمودا
تزداد من فرط الحياء خدوده * عند استماع تأوّهي توريدا
لو أبصر النّصّاح فائق وجهه * عذلوا العذول وحاربوا التّفنيدا
أو لو رآه راهب من بيعة * ألقى الصليب ولازم التّوحيدا
كم ذا تذكّرني العقيق خدوده * والطّرف حاجز والعذار زرودا
وإذا بدا متلفّتا من عجبه * بالجيد أذكرني طلاه الغيدا
ما الظّبي أحسن لفتة من جيده * عند النّفار وإن أقام شهودا
يحمي اللّمى والخدّ عقرب صدغه * عن وارد أو من يروم ورودا
قد رقّ منه الخصر حتى خلته * عند اهتزاز قوامه مفقودا
ما خلقه إلا النسيم إذا سرى * بين الرياض وإن أطال صدودا
قلت : لولا أن قصدي استجلاب الثناء لهذا الأديب ، لضننت بهذه الأبيات خوفا من أن لا يراعى حقها عند أهل التأديب .
ولوددت لو علّقت في جبهة الأسد الكاسر ، أو ضمّت للنيّرات في الفلك العاشر .
وقد عارض بها الأبيات المشهورة ، المنسوبة إلى محمد الشهير بعبد الله ، وهي هذه : [ الكامل ]
غصبوا الصباح فقسّموه خدودا * وتناهبوا قضب الأراك قدودا
وتظافروا بظفائر أبدت لنا * ضوء النهار بليلها معقودا
صاغوا الثّغور من الأقاح وبينها * ماء الحياة قد اغتدى مورودا
ورأوا حصى الياقوت دون نحورهم * فتقلّدوا شهب النجوم عقودا
واستودعوا حدق المها أجفانهم * فسموا بهنّ ضراغما وأسودا
لم يكفهم حدّ الأسنّة والقنا * حتى استعاروا أعينا ونهودا
روي مسندا إلى أبي عمر بن شامل المالقيّ قال : لقيت يوما الشيخ الخطير أبا محمد بن علي المالقيّ ، وكان رجلا صالحا مجاب الدعوة فقال لي : أنشدني .
فأنشدته الأبيات المنسوبات إلى محمد الشهير بعبد الله ، وهي هذه المذكورة .
قال : فلمّا أتممتها صاح الشيخ ، وأغمي عليه ، وتصبّب عرقا ، ثم أفاق بعد ساعة ، وقال : يا بني ، اعذرني ، فشيئان يقهراني ، ولا أتملّك عندهما نفسي : النظر إلى الوجه الحسن ، والشعر المطبوع .
وبيت النهود مما يكثر السؤال عنه ، وقد رأيت في شعر ابن عمّار الأندلسيّ بما هو مثله .