( فصل ) [ ذكرت فيه طائفة تتلو تلك من الشعراء الذين كل . . . ]
ذكرت فيه طائفة تتلو تلك ، من الشعراء الذين كل منهم لزينة الحياة درّة سلك .
قد جمعني وإياهم الزمان والمكان ، وأراهم خلفوا من دخل في خبر كان ، على أبدع ما في الإمكان .
وهب اللّه لهم أعمارا بقدر ما يرضيهم ، ولا أعدمني التّمتّع بآدابهم على تنائي أراضيهم .
وكفانا ما نرجع إليه في تجازي النّيّات ، إنه العالم بالخفيّات ، والمطّلع على ما تتكافى به الطّويّات .
فمنهم :
« 41 » عبد الرحمن بن إبراهيم الموصليّ
هو في الميدان سابق طلق عنانه ، وكأنما حشر الصواب بين بيانه وبنانه .
من ملأ رتعوا بأنضر خميلة « 1 » ، وبذلوا ما شاء السماح من عارفة جميلة .
مكانه في السّراة ذروة التّمام ، وليديه في الجود آثار الغمام .
لا يتبوّأ إلا ظلّ الكرامة الأندى ، ولا يبيت إلا حيث المحلّق والنّدى .
وقد متّعني الدهر برهة بحضرته ، فتقلبت معه في بهجة العيش ونضرته .
وسمعت لفظا غذاء الرّوح ، وشاهدت خلقا فيض الملائكة والرّوح .
إلى تثبّت يستخفّ الجبال الرّواسي ، وانعطاف يلين القلوب القواسي .
وأنا من ذلك العهد لا أفتر عن تذكّره بخاطري ، وأتمثّل شخصه في ضميري حتى كأنّه حاضري .
وله أشعار كلّها نكت للمتملّي ، وملح للذيق المستحلي .
وفيه نخب للفتّاك ، وسبح للنّسّاك .
يقول ما يشاء فتستحسنه ، وتريد الطير تحكيه فلا تحسنه .
هامش
( 41 ) - هو عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد الرحمن المعروف بالموصلي ، الشافعي ، الميداني ، الدمشقي ، الصوفي . كان أديبا ، فاضلا ، بارعا ، ناظما . ولد في سنة إحدى وثلاثين وألف ، وطلب العلم ، ومهر وساد ، وأقبل على مطالعة الدواوين الشعرية .
وكان معتقدا عند خاصة الناس وعامتهم ، مبجلا معظما ، كريم الأخلاق ، كثير السخاء ، مصون اللسان ، وقد اشتهر بالأدب وبهر وفاق على أهل عصره ، ووالده كان فقيها فرضيا ، حسن الخلق ، مبذول النعم ، وله ثروة وافرة .
وكانت وفاته في سنة ثماني عشرة ومائة وألف ودفن بتربة مسجد التاريخ في ميدان الحصار عن أولاد . وهم : الشيخ أحمد الذي جلس بعده مكانه خليفة ، والشيخ حسن والشيخ إبراهيم رحمهم الله تعالى . ا . ه . سلك الدرر ( 2 / 259 ) .
( 1 ) الخميلة : الأرض السهلة التي تنبت . ا . ه . لسان العرب ، مادة : / خمل / .