تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦

« 26 » أحمد بن محمّد ، المعروف بابن المنقار

هو من عرف بكرم الشّيمة ، من منذ تنصّل من المشيمة . فجاء كما شاءت الظّنون ، متحقّقا بجميع الفنون . وأعاد رسما من بيته دثر ، ونظم شملا كان قد انتثر . وما استعار مجدا ، ولا أضاف إلى جدّه جدّا . ثم دخل الروم ، فحظي من الأمانيّ بما يروم . متفيّأ من النّشوة وارفها ، وملتحفا من الصّبوة مطارفها . فأذهلته لذّة لدده ، عمّا كان بصدده . وعبثت به السّوداء من عيون ظباها ، والضّعفاء من الجفون التي سقيت بماء السّحر ظباها . فآل أمره إلى جنون أضرّ عقله ، واقتضى إلى وطنه الأصليّ نقله . فحلّه وجيده مطوّق بطوق ، وهو محمول على أدهم لا يجهده سوق ولا شوق . وبقي على تلك الحالة ، وقد غيّر الدّهر سمته وأحاله . إلى أن فارق دنياه ، وخلص من قيد الحياة . وقرأت بخطّ البورينيّ ، أنه زاره ، وحيّا بفم الوجد مزاره . وهو في تلك السّلسلة ، وأحاديث حاله عنه مسلسلة . وهو يظنّ أن ماء رويّته جمد ، وشرر ذكائه بالكلّيّة خمد . فلمّا لمحه ، لم يدع ملحه . قال : فأومأ إلى حالته ، وأودعني بيتي الوداعي ، ثم خلّاني أجيب سائل دمعي وأنا الدّاعي . والبيتان هما : [ الرجز ]
هامش
( 26 ) - هو الأديب أحمد بن محمد المعروف بابن المنقار الحلبي الأصل ، الدمشقي المولد والوفاة الأديب ، الشاعر ، الذكي ، البارع ، الفاضل . لازم العلامة الملا أسد الدين بن معين الدين التبريزي نزيل دمشق ، وأخذ عنه العربية والمعاني والبيان وغيرها ، وبرع في الفنون . وألف قبل أن يبلغ العشرين من سنه رسالة مقبولة في مباحث الاستعارة وبيان أقسامها وتحقيق الحقيقة والمجاز ، وعرضها على علماء عصره فقبلوها . ودرس بالمدرسة الفارسية . وسافر إلى قسطنطينية لوفاة والده محمد بها وكان من قضاة العقبات فتوجه أحمد إليها ليتناول ما خلفه والده من المال ، فاشتهر صيته بين علماء الروم ، ثم أداه لطف الطبع والامتزاج مع ظرفاء تلك البلدة إلى استعمال بعض المكيفات فغلبت عليه السوداء ، فاختلط عقله ، وصار يخلط في كلامه ، فوصفوه في دار الشفاء ثم لزم إرساله إلى بلاده وكان بقسطنطينية إذ ذاك بعض أعيان دمشق فصحبه معه موثقا ، ثم تزايد عليه الجنون حتى حبس في بيت لا يخرج منه إلا في بعض الأوقات وعليه حارس موكل ، وقد بقي على ذلك الحال نحو ثلاثين سنة إلى أن توفي . وكانت وفاته في شوال سنة اثنتين وثلاثين وألف . ا . ه خلاصة الأثر ( 1 / 296 ) .