« 26 » أحمد بن محمّد ، المعروف بابن المنقار
هو من عرف بكرم الشّيمة ، من منذ تنصّل من المشيمة .
فجاء كما شاءت الظّنون ، متحقّقا بجميع الفنون .
وأعاد رسما من بيته دثر ، ونظم شملا كان قد انتثر .
وما استعار مجدا ، ولا أضاف إلى جدّه جدّا .
ثم دخل الروم ، فحظي من الأمانيّ بما يروم .
متفيّأ من النّشوة وارفها ، وملتحفا من الصّبوة مطارفها .
فأذهلته لذّة لدده ، عمّا كان بصدده .
وعبثت به السّوداء من عيون ظباها ، والضّعفاء من الجفون التي سقيت بماء السّحر ظباها .
فآل أمره إلى جنون أضرّ عقله ، واقتضى إلى وطنه الأصليّ نقله .
فحلّه وجيده مطوّق بطوق ، وهو محمول على أدهم لا يجهده سوق ولا شوق .
وبقي على تلك الحالة ، وقد غيّر الدّهر سمته وأحاله .
إلى أن فارق دنياه ، وخلص من قيد الحياة .
وقرأت بخطّ البورينيّ ، أنه زاره ، وحيّا بفم الوجد مزاره .
وهو في تلك السّلسلة ، وأحاديث حاله عنه مسلسلة .
وهو يظنّ أن ماء رويّته جمد ، وشرر ذكائه بالكلّيّة خمد .
فلمّا لمحه ، لم يدع ملحه .
قال : فأومأ إلى حالته ، وأودعني بيتي الوداعي ، ثم خلّاني أجيب سائل دمعي وأنا الدّاعي .
والبيتان هما : [ الرجز ]
هامش
( 26 ) - هو الأديب أحمد بن محمد المعروف بابن المنقار الحلبي الأصل ، الدمشقي المولد والوفاة الأديب ، الشاعر ، الذكي ، البارع ، الفاضل .
لازم العلامة الملا أسد الدين بن معين الدين التبريزي نزيل دمشق ، وأخذ عنه العربية والمعاني والبيان وغيرها ، وبرع في الفنون . وألف قبل أن يبلغ العشرين من سنه رسالة مقبولة في مباحث الاستعارة وبيان أقسامها وتحقيق الحقيقة والمجاز ، وعرضها على علماء عصره فقبلوها . ودرس بالمدرسة الفارسية . وسافر إلى قسطنطينية لوفاة والده محمد بها وكان من قضاة العقبات فتوجه أحمد إليها ليتناول ما خلفه والده من المال ، فاشتهر صيته بين علماء الروم ، ثم أداه لطف الطبع والامتزاج مع ظرفاء تلك البلدة إلى استعمال بعض المكيفات فغلبت عليه السوداء ، فاختلط عقله ، وصار يخلط في كلامه ، فوصفوه في دار الشفاء ثم لزم إرساله إلى بلاده وكان بقسطنطينية إذ ذاك بعض أعيان دمشق فصحبه معه موثقا ، ثم تزايد عليه الجنون حتى حبس في بيت لا يخرج منه إلا في بعض الأوقات وعليه حارس موكل ، وقد بقي على ذلك الحال نحو ثلاثين سنة إلى أن توفي .
وكانت وفاته في شوال سنة اثنتين وثلاثين وألف . ا . ه خلاصة الأثر ( 1 / 296 ) .