فعرج إلى الأرض لا إلى السّما ، وغرس العود بكفّه ولكن ما أورق ولا نما . وكان متّهما في الاعتقاد ، لا يزال يرميه سهم الانتقاد .
وكان من جهله يتعرّض للفتيا ، ويعدّ نفسه أثقب القوم رأيا .
فكتب يوما على حكم لقاض : إنه باطل ، ومن حلي الحقيقة عاطل .
فأحضره القاضي في مجلس غاصّ ، جمع بين عالم وخاصّ .
ثم أفسد ما قاله ، وما أهمله من التّعزيز ولا أقاله .
فكتب بعض القوم فيه رسالة أوسع فيها المقال ، وقرّظ عليها علماء ذلك العصر ، ومنهم السّيّد فقال :
« وقفت على هذه الرّسالة ، التي سارت بسيرتها الرّكبان ، وتناقلها أكابر الفضلاء في هذا الزّمان .
فوجدتها غريبة المثال ، معربة عن قائلها بأن لسان الحال أفصح من لسان المقال .
قد تضمّنت ما انطوى عليه هذا الغمر من القبائح ، وما انتشر منه في هذا العمر القصير من الفضائح .
فإنّه قد مشى على غير الاستقامة ، حسّا ومعنى ، وأنشد قول القائل في ذلك المعنى : [ الكامل ]
من يستقم يحرم مناه ومن يزغ * يختصّ بالإسعاف والتّمكين
انظر إلى الألف استقام ففاته * عجم وفاز به اعوجاج النّون
تصدّر للفتيا مع أنّه أجهل من توما الحكيم ، وأنصفه حمار ابن حجيج فركبه في اللّيل البهيم .
قد فتح فاه بجهله ، وصدّر فتياه بقوله :
الحمد للّه سبحانه ، والشّكر له تعالى شانه .
ولم يميّز في السّجعتين بين الفاعل والمفعول ، فكأنّه اشتغل بباب البدل مع حبّه فحصل له هذا الذّهول .
لأنّه رأى كتب النّحاة المهذّبة ، أنّ الفاعل على ما أسند إليه فعله ، فظنّه بهذه المرتبة .
ولو سئل لأبرز من ضميره هذا الخاطر ، وحلف بأبي حمزة أنّ هذا هو الظّاهر .
لا يستوي معرب فينا وذو لحن * هل تستوي البغلة العرجاء والفرس
وطالما عرج على درج المنبر ، وجعل أمرده أمامه ، ولولا التّقيّة لجعله إمامه .
وما تلفّت على المنبر يمينا وشمالا ، إلا ليقتنص ظبيا أو يصيد غزالا .
وإذا ترنّم وأظهر الخشوع ، واهتزّ لغير طرب وأجرى الدّموع .