وحكى البورينيّ أنه صحبه إلى منين « 1 » ، في يوم أديمه مطرّز ، ونديمه في مجلس أنسه معزّز .
فحلوا في روض نسّام ، يضحك عن زهر بسّام .
أصائله متوافقة مع أسحاره ، وشمسه لا ترى إلّا من فرج أشجاره .
بين ماء يتدفّق ، وهواء عن المسك يتفتّق .
وبينهم حديث أحلى من الشّهد في الفم ، وألذّ من قبل الغيد عند الضّمّ .
فلما دنا وقت الظّهيرة ، ولفح حرّ الهجيرة .
انفرد السّيّد في مكان ، ليأخذ من القيلولة حظّا بقدر الإمكان .
فخاطبه البورينيّ « 2 » : [ الطويل ]
بحقّك خلّي لا تضع فرصة المنى * وبادر إلى هذا الغدير المسلسل
وإن لم تجد زهر الرّياض فإنّنا * نريك زهورا من كلام مرتّل
فنشط من ذلك المقيل ، نشاط مالك إلى أخيه عقيل .
ثم كتب في وصف المجلس بيتين : [ البسيط ]
على غدير جلسنا في مفاوضة * ودوحه قام من سوق على ساق
فخلت أغصان ذاك الدّوح باكية * تريد تكتب ما نملي بأوراق
فخاطبه البورينيّ « 3 » : [ الطويل ]
جلسنا بروض فيه زهران أسقيا * بماء افتكار والمياه الدّوافق
فمن زهر يبديه روض كلامنا * ومن زهر يبديه روض الحدائق
ولما رجعوا من منين ، مرّوا على التّلّ ، فأقاموا بها يومهم يروون الأبصار من روضه المبتلّ ، ثم فارقوها ، فكتب السّيّد إلى البورينيّ يداعبه :
أيا روضة الآداب والفضل والحجا * ومن فاق في جمع الكمال على الكلّ
ترى هل يعود الدّهر يوما بجمعنا * فنرقى كما شاء الفؤاد على التّلّ
فراجعه بقوله : [ الطويل ]
أيا سيّد السّادات يا من بنانه * تضيف الورى بالجود في زمن المحل
إذا ساعد الحظّ السّعيد فإنّنا * نطلّ على الوادي ونرقى على التّلّ
وكان بدمشق خطيب يعرف بابن يونس ، أعرج أعوج ، كما قال الفاضل : قامت العصا بيده مكان رجله ، وقلّت أعواد الأغصان من أجله .
هامش
( 1 ) قال في معجم البلدان : قنين : قرية في جبل سنير ، من أعمال الشام ، وقيل من أعمال الشام دمشق .
معجم البلدان ( 4 / 335 ) .
( 2 ) انظر خلاصة الأثر ( 4 / 155 ) .
( 3 ) البيتان في خلاصة الأثر ( 4 / 155 ) .