وبعد ان ازدهرت الكيمياء في بداية القرن التاسع عشر ، وصار باستطاعتها
تحليل الأعشاب لمعرفة المواد الفعالة فيها ، واستخراجها أو تركيبها كيماويا
من مصادر كيماوية أخرى ، بدأ التداوي بالأعشاب ينطوي في عالم الاهمال
ليحل مكانه التداوي بالمساحيق والأقراص والأشربة الخ . . المستخلصة من
الاجزاء الفعالة في الأعشاب أو من المواد الكيماوية غير العضوية . وكان من
المأمول أن تكون هذه الأدوية ( الصناعية ) أحسن فعالية من الأعشاب لأنها
خلاصة المواد الفعالة فيها ، ولكن التجارب أثبتت فيما بعد أن ما في صيدلية الله
من أعشاب أحسن فعالية مما في الصيدليات من انتاج المصانع الكيماوية . فالجسم
البشرى أو الحيواني ليس كالآلة التي تحتاج مثلا للزيت والنفط لتدور وينتظم
عمل كل جزء فيها ، فالمخلوق الحي مكون من أحشاء وأعضاء مرتبطة بعضها
بالبعض الآخر . فإذا أصيب عضو منها بمرض لا يظل تأثيره مقتصرا عليه ،
بل إن الأعضاء وأجزاء الجسم الأخرى ، أي الجسم كله ، يصاب بخلل في
جميع أعماله العضوية والنفسانية .
والمواد الشافية في الأعشاب لا تنفرد بجزء واحد له علاقة خاصة بجزء
خاص في الجسم ، دون ان يكون له تأثير آخر في غيره - كما هو الحال في الأدوية
الصناعية في الصيدليات ، بل إن يد الخالق جمعتها في عشبة واحدة بمزيج
يستحيل على الانسان أو مصانعه ان تأتى بمثله . ولذلك كانت العشبة الواحدة
تحوي من المواد الفعالة الشافية ما يجعلها مفيدة في مداواة أمراض مختلفة ، ولو
تغيرت طرق استعمالها بما يقتضيه المرض المعالج . ولا أستطيع ان أتوسع هنا في
هذا الموضوع ، وأكتفي بذكر دليل واحد ، بيد انه قاطع ، يدل على تفوق
الأعشاب في تأثيرها الطبي ، على الأدوية الصناعية المستخرجة منها . . فالديجيتال
مثلا علاج سام يستعمل في مداواة أمراض القلب ، وهو مستخرج من نبات
يسمى ( قمعية أرجوانية ) والكمية السامة منه تسمم القلب إذا أعطيت من
المستخلص من النبتة ولا تسبب اعراض تسمم لو أعطيت بكميات أكبر بوريقات
النبتة ذاتها . ولكن بالرغم من هذا كله أهمل الأطباء استعمال أكثر الأعشاب
التداوي بالأعشاب — صفحة 17
مساهمون: أمين رويحة
ص١٧