وكان حافظا مكثرا ، لكن قلّت الرّواية عنه لقلّة تحديثه ؛ لشدّة تحرّيه .
قال السّبكي « 1 » : قال لي القطب السّنباطي : بلغني أن ابن دقيق العيد قال :
لكاتب الشّمال عشرين سنة لم يكتب عليّ شيئا ، فاجتمعت به وسألته ، فقال :
أظنّ ذلك أو كذلك يكون المسلم ، أو كما قال .
قال الشّيخ عليّ الهجّار المكشوف الرّأس ، الوليّ الكامل : مرّ العارف أبو العباس المرسي بالقاهرة ، فرأى أناسا يزدحمون على دكّان خباز في سنة الغلاء ، فرقّ عليهم ، ثم وقع في نفسه : لو كان معي دراهم آثرت بها هؤلاء .
فأحسّ بثقل في جيبه ، فأدخل يده ، فوجد فيه دراهم جملة ، فأعطاها للخبّاز ، وأخذ بها خبزا فرّقه ، فلمّا انصرف وجد الخباز الدّراهم زيوفا ، فاستغاث عليه وأمسكه ، فعلم أنّ ما وقع في نفسه من الرقّة اعتراض ، فاستغفر وتاب ، فوجد الخباز الدّراهم جيّدة في الوقت .
فدخل المرسي لابن دقيق العيد فأخبره ، فقال له ابن دقيق العيد : يا أستاذ ، أنتم إذا رققتم على أحد تزندقتم ، ونحن إذا لم نرقّ على النّاس تزندقنا .
قال السّبكي « 2 » : تأمّل ما تحت هذا الجواب من المعنى الحقيقيّ ، فقد أشار الشّيخ إلى أن الفقير يطّلع على الأسرار ، فكيف يرقّ ؟ ولا يقع شيء في الوجود إلّا لحكمة اقتضته ، ومن اطّلع على الذّنب لم يرقّ للعقوبة [ وقد قال تعالى ] « 3 » :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
[ النور : 2 ] والفقيه لا يطّلع على ذلك فيرقّ ديانة ورأفة ، ولذلك شرح طويل ، فلنمسك العنان .
مات يوم الجمعة سنة اثنتين وسبع مائة ، ودفن بسفح المقطّم ، وأغلقت حوانيت مصر للصّلاة عليه ، ورثاه الأكابر بعدّة قصائد .
* * *
هامش
( 1 ) هو عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي . الدرر الكامنة 4 / 92 .
( 2 ) طبقات الشافعية 9 / 213 .
( 3 ) ما بين معقوفين مستدرك من طبقات السبكي .