تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ) — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
ورزق من القبول والحظّ التامّ عند الخاصّ والعامّ ما لا تضبطه الأقلام . وكان فصيح اللّسان ، زكيّ العصر والأوان ، يلقي دروسا في التّفسير محرّرة موشّحة بمناقشات كبار المفسّرين كالزّمخشريّ وأضرابه ، ويأتي في ذلك بما تقرّ به العيون ، وتنشرح له الصّدور . وقسّم مرّة « صحيح البخاري » فأتى في تقديره بما يدهش النّاظر ويجبر الخاطر . واختصّ في زمنه بإلقاء دروس التّصوّف الحافلة البديعة . ولم أر أحدا من علماء عصره كهو في صيانة مجلسه عن اللّغط واللّغو والغيبة . فكان مجلسه لا يذكر فيه شيء من ذلك البتّة ، بل كلّه فوائد علميّة ، إمّا تفسير آيات قرآنيّة ، أو كلام على أحاديث نبويّة . وسمعته يقول : هذا القصّ الواقع من وعّاظ زمننا يستحقّ القصّ ، ولولا أنّي لا أحبّ جرح أحد لكلّمت الباشا في إبطالهم ؛ فإنّ ما يفسدون أكثر ممّا يصلحون . وكان الباشا وقاضي العسكر فمن دونهما من الأمراء والكبراء يأتون إليه ويخصّونه من بين أقرانه بالزّيارة مرارا وتكرارا كثيرة . وكان عظيم الاعتقاد بالمجاذيب ، يحبّهم ويحبّونه ، ويألفهم ويألفونه ، وبالجملة فقد كان فريد عصره ووحيد دهره . وكان عظيم الحلم ، واسع الصّدر ، حسن الخلق جدّا ، لا يقابل من يؤذيه ، ولا ينتقم ممّن يعاديه ، وما ذاك إلّا بمدد ربّانيّ . سمعته يقول : إنّ للّه عبدا بين أظهركم حاضر معكم في مجلسكم هذا ، ينزل إليه كلّ يوم ملك صبيحة اليوم يأمره بمحاسن الأخلاق ، وينهاه عن مساوئها . وكم له من فضائل وفواضل رحمه اللّه ، ونفعنا ببركاته . * * *