ومكث سنين لا يضطجع على الأرض ليلا ولا نهارا ، بل اتّخذ له في سقف خلوته حبلا ، فيجعله في عنقه ليلا حتى لا يسقط .
وكان يطوي الأيّام المتوالية ، ويديم الصّوم ، ويقتصر على الفطر بأوقيّة من الخبز . ويجمع الخروق من الكيمان فيتّخذها مرقعة فيلبسها يستتر بها . وكانت عمامته من شراميط الكيمان « 1 » وقصاصة الجلود .
واستمرّ على ذلك حتّى قويت روحانيّته ، فصار يطير من صحن الجامع إلى سطحه . وكان يفتتح مجلس الذّكر عقب العشاء ، فلا يختمه إلّا عند الفجر .
ثمّ أخذ عن مشايخ الطّريق ، فصحب : الخوّاص ، والمرصفيّ ، والشّنّاوي ، فتسلّك بهم . وكان على الخوّاص فطامه .
ولمّا مات الخوّاص ، جاءته جماعته ، وقالوا له : اجلس مكانه . فقال : هو ما عملني شيخا . قالوا : نحن نعملك شيخا علينا . قال : أمهلوني اللّيلة ، حتّى انظر . فلمّا أصبح ، قال : رأيت اللّيلة أنّي أخيط النّعال العتق ، وكلّما خطت شيئا انفتق ، وعاد كما كان ، ولا خلاص لي في ذلك .
ثمّ تصدّى للتّصنيف ، فألّف كتبا كثيرة « 2 » منها : « مختصر الفتوحات » « 3 » و « مختصر سنن البيهقي الكبرى » و « مختصر تذكرة القرطبي » و « الميزان » « 4 » و « البحر المورود في المواثيق والعهود » « 5 » و « كشف الغمّة عن جميع
هامش
( 1 ) الكيمان : جمع كوم ، وهي التلال المشرفة . متن اللغة ( كيم ) .
( 2 ) انظر أسماء مؤلفاته في هدية العارفين 1 / 641 ، وتاريخ بروكلمان 8 / 255 ، ومعجم المطبوعات 1129 .
( 3 ) اختصر كتاب الفتوحات المكية وسماه لواقح الأنوار القدسية المنتقاة من الفتوحات المكية ، ثم لخص ذلك التلخيص ثانيا وسماه الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر . معجم المطبوعات 1131 .
( 4 ) هما كتابان : الميزان المدخلة لجميع أقوال المجتهدين ومقلديهم في الشريعة المحمدية أو الخضرية ، أو الميزان الصغرى ، فيه توحيد لطرق الأئمة الأربعة اعتمادا على طريقة شيخه الصوفي الخضر الذي ظهر له في الرؤيا ، والميزان الشعرانية الكبرى ، وكلاهما فقه شافعي . تاريخ بروكلمان 8 / 257 .
( 5 ) كتاب يتناول واجبات المريد تجاه شيخه في السمع والطاعة ، وقد دس فيه بعض