تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ) — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
الصّعبة عليهم ، لأنّ الرّجل قد ينال بمسألة من مسائل علمنا هذا ما لا يناله بمجاهدة خمسين سنة ؛ لأنّ ذلك السّالك إنّما ينال ثمرة سلوكه وعمله . والعلوم التي وضعها الكمّل ثمرة سلوكهم وعملهم الخاصّ . فإذا فهم المريد ما قصدوه من وضع المسألة في الكتاب وعلمها استوى هو ومصنّفه في معرفة تلك المسألة ، فنال بها ما ناله المصنّف . وما ورد عن بعض الأولياء من منع بعض تلامذته من مطالعة كتب الحقيقة فلإشرافه على قصور ذلك المريد عن فهمها ؛ لأنّ قاصر الفهم إمّا أن يتناول كلامهم على غير مرادهم فيستعمله فيهلك ، أو يضيّع عمره في تصفّح الكتب بلا فائدة ، وأمّا من له فهم وقوّة إيمان وإيقان فيأخذ من كتبهم كلّ مأخذ ، وينال منها كلّ مطلب . قال : وقد رأيت في زمننا طوائف كثيرة من كلّ جنس من عرب ، وفرس ، وهند ، وغيرها بلغوا بمطالعة كتب الحقيقة « 1 » مبلغ الرّجال ، ونالوا بها مقاصد الآمال ، فمن أضاف بعد ذلك إلى علمه فضلة سلوك واجتهاد صار من الكمّل . وقد رأيت صبيانا من أهل الطّريق من إخواني بلغوا بمطالعة الكتب في أيّام قليلة ما لم يبلغ رجال باجتهادهم إلى أربعين سنة ، أو خمسين سنة « 2 » على أنّهم كانوا سببا لدخول هؤلاء الصّبيان إلى الطّريق ، لكنّهم لمّا وقفوا مع سلوكهم وصار أولئك الصبيان في مطالعة الكتب وفهمها تأخّروا عن مداهم ، فصار الصّبيان شيوخا ، والشّيوخ صبيانا . فمطالعة الكتب عند المحقّقين أفضل أعمال السّالكين . ومجالسة أهل اللّه مع الأدب أفضل من مطالعة الكتب ، فعليك بملازمة الشّيوخ ، فإن لم تجدهم فلازم مطالعة كتب الحقائق ، واعمل بمقتضاها تصل لمقصودك ، وتقع بذلك على معرفة معبودك والسّلام . انتهى . مات سنة نيّف وثلاثين وتسع مائة « 3 » . * * *
هامش
( 1 ) في ( ب ) : الكتب من الحقيقة . ( 2 ) كذا في الأصل ، وفي مراتب الوجود : ما لم يبلغه رجال باجتهاد أربعين . ( 3 ) في الكواكب السائرة : مات سنة 929 ه .