وكان لا ينام إلّا قليلا ، وغالب اللّيل يمشي حول الغيط والزّاوية ، وهو يتلو القرآن .
وكان مهابا ، وأمره كلّه جدّ ، لا تجده في غير عمل صالح ، إما ينجر السواقي بيده ، أو النّوارج « 1 » ، أو يعذق حول النّخل ، أو يشدّ القواديس « 2 » ، أو يفتل الطوانس ، أو يطحن ، أو يعجن ، أو يبني ، أو يقرّص العجين .
قال الشّعراويّ : أقام عنده الفقراء الصّادقون ، وانتفعوا به .
واستخلف جماعة ، منهم : الشّيخ حسن الجركسي ، والشّيخ محمد الحانوتي ، والشّيخ كريم الدّين ابن الزّيات ، وهو الذي أحيا طريقة شيخه بعده .
وليس بمصر زاوية يأكل فقراؤها حلالا كزاوية دمرداش ؛ فإنّ وقفها من عمل يد الشّيخ ، لا منّة لأحد فيه على الفقراء ، بل عمل وليّ عارف .
وكان إذا غلب عليه الحال يأكل نحو إردبّ من الأرز المفلفل .
وعزم عليه بعض الأمراء ، فذهب إليه وحده ، فقال : أين الفقراء ؛ فإنّي عملت لهم طعاما كثيرا . قال : أنا آكله . فقعد على السّماط ، وصار يأكل وعاء بعد وعاء حتّى أكله كلّه ، وقال : حملنا حسابه عن إخواننا الفقراء . وكان الطّعام يكفي ثلاث مائة رجل « 3 » .
هامش
- فأفرغ ماءه في حرّة ، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كلّه ، فتتبع الماء ، فإذا رجل قائم في حديقته يحوّل الماء بمسحاته ، فقال له :
يا عبد اللّه ، ما اسمك ؟ قال : فلان . للاسم الذي سمع في السحابة ، فقال له :
يا عبد اللّه ، لم تسألني عن اسمي ؟ فقال : إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول : اسق حديقة فلان ، لاسمك ، فما تصنع فيها ؟ قال : أما إذا قلت هذا ، فإني انظر إلى ما يخرج منها ، فأتصدق بثلثه ، وآكل أنا وعيالي ثلثه ، وأردّ فيها ثلثه » .
وفي رواية : « وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل » .
( 1 ) النّوارج : جمع النّورج : سكّة الحراث . متن اللغة ( نرج ) .
( 2 ) القواديس : جمع قادوس ، إناء من خزف أصغر من الجرّة يخرج به الماء من السواقي . متن اللغة ( قدس ) .
( 3 ) جاء في الكواكب السائرة 1 / 193 : قيل له : وكيف أكلت ذلك كلّه ؟ فقال : رأيته