وكان شديد الذّكاء ، قويّ الحافظة والاستحضار .
حكى والدي قال : كان شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف قد ترك الإقراء آخرا بالكليّة ، ومنع ذلك حتّى للأفاضل ما عدا ثلاثة : الشّيخ أبي الحسن ، والشّيخ ناصر الدّين الطّبلاوي « 1 » ، والشّيخ شهاب الدّين الرّملي « 2 » ، فإنّه خصّهم بالإقراء لتميّزهم على غيرهم من أهل عصرهم . فكان إذا قرأ الشّيخ أبو الحسن يرخي له العنان ، فيقرأ ما شاء ، حتّى يمسك بالاختيار ، وإذا قرأ الآخران ، يقول : يكفي إلى هنا . فوجدا في أنفسهما ، وعاتبا الشّيخ على ذلك . فقال : في غد يكون الجواب . فلمّا جاء الغد وقت القراءة ، قال : يا أبا الحسن ، ما كان درسك بالأمس ؟ قال : يا سيّدي ، قال الماتن كذا ، وقال الشّارح كذا ، وقلتم كذا ، فسرد ذلك من حفظه ، فلم يسقط منه كلمة . قال : فدرس أوّل أمس ؟
فسرده كلّه من حفظه كذلك . قال : فالذي قبله ؟ فسرده كذلك . ثمّ سأل الآخران ، فذكرا بعضا ، ولم يستحضرا بعضا ، فقال لهما : أنتم كلّكم أولادي ، والنّصح واجب ، وقد رأيتما ما كان من أبي الحسن ومنكما ، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم .
ولم يزل الشّيخ على حاله راقيا في درج كماله حتّى نقله اللّه إلى دار أفضاله سنة نيّف وخمسين وتسع مائة .
* * *
هامش
( 1 ) محمد بن سالم بن علي الطبلاوي الشافعي ، فقيه ، ولي التدريس بالمدرسة الخشابية في مصر ، توفي سنة 966 ه ، ودفن في حوش الإمام الشافعي . انظر الكواكب السائرة 2 / 33 .
( 2 ) تقدمت ترجمته صفحة 160 من هذا المجلد .