ورأى بعض فقرائه « 1 » جرّة خمر مع رجل فكسرها ، فأخرجه من الزّاوية ، وقال : لم أخرجه لإزالة المنكر ؛ بل لإطلاقه بصره حتّى رآه ، فإنّ الفقير لا يتجاوز بصره محلّ قدميه .
وكان الشّيخ عبادة المالكيّ « 2 » ينكر عليه ، فدعاه في مولده ، وقال للفقراء :
إذا جاء فلا تتحرّكوا له . فجاء فقعد في طرف النّاس متغيّظا ، وتغافل عنه الشّيخ ، ثمّ قام ، وأجلسه بجانبه ، وقال : اللّه عليك ، ما تكدّرت بعدم قيامنا لك ؟ قال : نعم . قال : أما علمت أنّ ذلك حرام « 3 » ؟ قال : نعم . قال : كيف تأمرنا أن نساعدك على حرام ، ولسان حالك يقول : قوموا لي كما تقوموا لربّ العالمين ؟ فقال عبادة : أشهد أنّي أسلمت الآن إسلاما جديدا . ثمّ أخذ عليه العهد ، وخدمه حتّى مات .
وجاءه الحريفيش « 4 » بعد موت شيخه الغمريّ فوجده يتوضّأ ، وعبد حبشيّ يصبّ الماء عليه ، وآخر واقف بمنشفة ، فسأله عن نفسه ، لكونه لم ير عليه ملابس الفقراء بل الأكابر ، فقال : أنا مدين ! قال : فقلت في نفسي من غير لفظ :
لا ذا بذلك ولا عتب على الزّمن
بفتح التاء . فقال : عتب بسكون التّاء . قال : فقلت في سرّي : اللّه أكبر ! قال : على نفسك الخبيثة ، أتيت لتزن على الفقراء أحوالهم بميزانك الخاسرة ؟
قال : فتبت ، وعلمت أنّ من الأولياء من هو جمالي ، ومن هو جلالي ، والمراد قلوبهم ، لا لباسهم .
هامش
( 1 ) في طبقات الشعراني 2 / 102 : وخرج فقير يوما من الزاوية فرأى . . .
( 2 ) عبادة بن علي بن صالح الزرزاري شيخ المالكية ممن تصدى للإقراء في علوم ، وانتفع به الأئمة في كل مذهب ، واختفى حين طلب للقضاء الأكبر ، وتخلى للعبادة ، توفي سنة 846 ه . وجيز الكلام 2 / 586 ، الضوء اللامع 3 / 16 .
( 3 ) روى أبو داود ( 5229 ) في الأدب ، باب قيام الرجل للرجل ، والترمذي ( 2756 ) في الأدب ، باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل عن معاوية قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من أحب أن يمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار » وإسناده صحيح .
( 4 ) تقدمت ترجمته صفحة 195 من هذا المجلد .