واستمرّ العمل على ذلك مدّة ، فاجتمعوا وقالوا للخلفاء : لا نرضى إلّا بأن يبرز لنا الشّيخ ، وما المانع من ذلك ؟ فأخبروه بأمرهم بالاجتماع ، وخرج إليهم وقال : يا أولادي ، قالوا : الطّريق أربعة وعشرون قيراطا ، ثلاثة وعشرون منها أدب ، وأنا أقول : كلّها أدب ، ومن لم يتأدّب لا يفلح « 1 » أبدا . فتابوا ، وأذعنوا .
ولمّا أراد الشّيخ دمرداش السّفر من مصر ، أعطاه الشّيخ إبراهيم المواهبيّ « 2 » كيسا وقال : ادفعه للشّيخ . فأعطاه إيّاه ، ففتحه ، فإذا فيه مسمار أعوج ، ولوح وقصعة ، قال : أتدرون ما أراد ؟ أمّا المسمار فيقول : إنّ قلبه في صلاته فيه قسوة « 3 » واعوجاج ، وقد ليّنّاه وقوّمناه ، وأمّا اللّوح فيشير به إلى خلوّ قلبه من المعارف ، وقد نقشناه ، وأمّا القصعة فيقول : إنّ وعاءه فارغ ، وقد ملأناه .
فكلّمه وبينهما مسيرة نحو نصف عام .
وكان الشّيخ جلاليّ المقام ، فلذلك كان يندر اجتماعه بالنّاس .
وكان له عدّة بنات ، فجاعت منهنّ واحدة ، فطلبت من أمّها ما تأكله ، فقالت : ما عندي « 4 » ، اذهبي إلى أبيك بالخلوة . ففتحت باب الخلوة ، ودخلت ، فلم تجد فيها أحدا ، ورأت مكانه بركة من دم ، فولغت فيها بأصابعها ، ثمّ خرجت . وكان الشّيخ قد حصل له في ذلك الوقت لمحة من التجلّيات الجلاليّة فذاب حتّى صار ماء أحمر ، ثمّ أدركته الرّحمة ، فرجع إلى حاله ، فصار أثر أصابع ابنته في بدنه يعدّ بالواحدة .
وكراماته كثيرة ، ومناقبه شهيرة .
مات في القرن التّاسع رحمه اللّه .
* * *
هامش
( 1 ) في ( أ ) : ومن لم يتأدب لا يفهم ولا يفلح أبدا .
( 2 ) ستأتي ترجمته صفحة 320 في هذا المجلد .
( 3 ) في ( ف ) : إن قلبه في صلابة وقسوة .
( 4 ) في ( أ ) : ما عندي شيء .