وكان إذا وعظ أسال بوعظه الدّموع ، وإذا خوّف أفاض الدّماء على الخدود من الخشوع .
كم علا ذروة المنبر ! واستقبل النّاس فقالوا : هذا بدر سما « 1 » في سماء من العنبر ، ليس للحمام كأسجاعه « 2 » إذا غرّدت ، ولا للفصحاء كعبارته التي جمعت أنواع البيان فتفرّدت .
ومن كلامه :
من ادّعى العبوديّة وله مراد باق ، فهو كاذب في دعواه ، إنّما تصحّ العبوديّة لمن أفنى مراداته وقام بمراد سيّده .
وقال : النّاس في الرّضا ثلاثة أقسام :
قوم يحسّون البلاء ويكرهونه لكن يصبرون على حكمه ، ويتركون تدبيرهم حبّا للّه ؛ لأنّ تدبير العقل لا ينطبق على رسوم المحبّة والهوى . قال قائلهم :
لن يضبط العقل إلّا ما يدبّره * ولا ترى في الهوى للعقل تدبيرا
كن محسنا أو مسيئا وابق لي أبدا * وكن لديّ على الحالين مشكورا
وقوم يضمّون إلى سكون الظّاهر سكون القلب بالاجتهاد والرّياضة ، وإن أتى البلاء على أنفسهم بل يستعذبون بلاياهم « 3 » ، ولذلك قال ذو النّون المصري : الرّجاء سرور القلب بمرّ القضاء ، وقالت رابعة : إنّما يكون العبد راضيا بمرّ القضاء ، إذا سرّته البليّة كما سرّته النّعمة .
هامش
( 1 ) في ( ب ) : بدا .
( 2 ) سجعت الحمامة : رددت صوتها وطرّبت على جهة واحدة . وفي الأصول :
كأشجاعه .
( 3 ) هما كلمتان من بيت ، جاء في طبقات السبكي 8 / 287 :يستعذبون بلاياهم كأنّهم * لا ييأسون من الدّنيا إذا قتلوا