ما تمنّيت ، فلم يزل يعدّد التمنّي ، وهو يقول مقالته الأولى ، واللّون الواحد يتقلّب ألوانا كثيرة ، ويجد طعم ما يتمنّى .
قال العارف ابن عربي رضي اللّه عنه : كان شيخنا أبو مدين رضي اللّه عنه إذا جاءه مأكول طيّب أكله ، أو خشن أكله ، وإذا جاع وجاءه فقد علم أنّ اللّه تعالى خيره ، إذ لو أراد أن يطعمه أيّ صنف أراد من المأكول جاء به إليه ، فينظر في ذلك الوقت ما هو الأحبّ إلى اللّه من المأكول بالنّظر إلى صلاح المزاج للعبادة لا إلى غرض النفس واتباع الشهوة .
وكان إذا خطر له خاطر في نفسه وجد جوابه مكتوبا في ثوبه الذي عليه ، فخطر له يوما أن يطلّق امرأته ، وكان بحضور العارف أبي العباس الخشّاب ، فرأى مخطوطا في ثوب الشيخ
أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ
[ الأحزاب : 37 ] .
قال العارف ابن عربي رضي اللّه عنه : وكان شيخ الشّيوخ أبو مدين رضي اللّه عنه يرى المناسبة بين الأشياء ، ويقول بها ، فاتّفق أنّه علق خاطره بالغير ، فماشاه شخص وهو على ذلك الخاطر ، فاستوحش الشيخ ، فسأله فإذا هو مشرك .
قال العارف ابن عربي رضي اللّه عنه : شيخنا أبو مدين من الثمانية عشر نفسا الظّاهرين بأمر اللّه عن أمر اللّه ، لا يرون سوى اللّه في الأكوان ، وهم أهل علانية وجهر ، مثبتون للأسباب وخرق العوائد ، عندهم عادة
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ
[ الأنعام : 91 ] .
قال : وكان يقول لأصحابه : أظهروا للناس ما عندكم من الموافقة ، كما يظهر النّاس بالمخالفة ، وأظهروا بما أعطاكم اللّه من نعمه الظّاهرة - يعني خرق العوائد - والباطنة - يعني المعارف - فإنّه تعالى يقول :
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
[ الضحى : 11 ] وهذه الطبقة اختصت باسم الظّهور ، لكونهم ظهروا في عالم الشهادة .
وقال في موضع آخر : شيخنا أبو مدين رضي اللّه عنه الغالب على قلبه وبصره مشاهدة الحقّ في كلّ شيء ، فكلّ حال عنده أعمال فتعلن بالصدقة ، كما يذكره في الملأ فإنّ من ذكره في الملأ فقد ذكره في نفسه ، فإنّ ذكر النّفس متقدّم