تعالى كل يوم
كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
[ الحج : 47 ] فضيافته بحسب أيامه ، فإذا أقمنا عنده ثلاثة آلاف سنة وانقضت ولا نحترف توجّه اعتراضكم علينا ، ونحن نموت وتنقضي الدّنيا ويبقى لنا فضلة عنده تعالى من ضيافتنا ، فاستحسنه المعترض . فانظر في هذا النّفس إن كنت منهم .
ثم قال العارف ابن عربي رضي اللّه عنه : ذهبت أنا وبعض الأبدال إلى جبل قاف « 1 » ، فمررنا بالحيّة المحدقة به ، فسلّمنا عليها ، فردّت ، وقالت : ممن أنتم ؟ قلنا : من بجّاية . قالت : ما حال أبي مدين مع أهلها ؟ قلنا : يرمونه بالزّندقة ، ويؤذونه . قالت : عجبا لابن آدم ، كيف يؤذي وليّ اللّه ؟ ما ظننت أنّه تعالى يوالي عبدا من عباده فيكرهه أحد .
قال العارف الخوّاص رضي اللّه عنه : كان مذهب الشّيخ رضي اللّه عنه تقريب الطّريق على المريدين ، ونقلهم إلى محلّ الفتح من غير أن يمرّ بهم « 2 » على الملكوت ، خوفا عليهم من تعشّق نفوسهم بعجائب الملكوت .
ودخل على أبي مدين رضي اللّه عنه رجل ، فقال : الفرنج نصروا « 3 » على المسلمين . فقال : صدق اللّه ، ولم يتأثّر أصلا ، فعجب الحاضرون من عدم تأثّره ، فمدّ إصبعيه وأشار إلى أحدهما ، وقال : هذا الهادي وإلى الآخر ، وقال :
هذا المضلّ ، ثم وضع إصبعه على موضع اجتماعهما من ظاهر كفّه ، وقال :
قلبي هنا . معناه أن من كان قلبه مع اللّه لم يختلف عليه معاني الأسماء .
ووقع له في سياحته أنّه دخل على عجوز في مغارة ، فأقام عندها ، فجاء ابنها آخر النهار ، فسلّم عليه ، فقدّمت العجوز سفرة فيها صحن وخبز ، فقعد الشيخ والابن يأكلان ، فقال : تمنّيت أن لو كان هذا كذا . فقال : سمّ اللّه ، وكل
هامش
( 1 ) جبل قاف قيل إنه الجبل المحيط بالأرض ، وقيل هو من زبرجدة خضراء ، وإن خضرة السماء من خضرته ، أصول الجبال كلها من عرق جبل قاف . وزعم المفسرون أن وراءه عوالم وخلائق لا يعلمها إلا اللّه تعالى . ومنهم من زعم أن ما وراءه معدود من الآخرة وحكمها ، وإن الشمس تغرب فيه . . انظر معجم البلدان 4 / 298 .
( 2 ) في المطبوع : يمرنهم .
( 3 ) في ( ب ) يغيروا .