ويرى أنّ أكله الطّعام أولى موافقة لمراد الحقّ ، وكان حاله مع اللّه ترك الاختيار في مأكوله وملبوسه ، وجميع تصاريفه ، والوقوف مع الحقّ ، وكان يمكث أياما طويلة لا يأكل ولا يعلم بذلك أحدا من أهله وأصحابه ، وكان لا يتصرّف هو لنفسه ، ولا يسبب في تناول شيء ، بل ينتظر فعل الحقّ تعالى . وبقي على هذا الحال سنين ، ولم يشعر به أحد ، ثم إنّ اللّه أظهره ، وأقام له أصحابا وتلامذة يصنعون له الأطعمة الفاخرة ، ويأتون له بها .
قال السّهروديّ : سمعته يقول : إنّي أصبح كلّ يوم والصّوم أحبّ إليّ من الفطر ، فينقض اللّه محبّتي للصوم بفعله ، فأوافق الحقّ فيما يريد .
وكان يكلّم أصحابه بما يلقيه اللّه تعالى إلى قلبه ، ويقول : أتاني هذا الكلام ، فيقول من سمعه : قد تكلّم الشّيخ على خاطري . والشّيخ ليس معه ، حتى لو قيل له : ما في ضمير هذا الشّخص ؟ لا يعرفه « 1 » .
ومن كلامه :
للّه قوم يتكلّمون على الخاطر ، وما هم مع الخاطر ، يعني يجري اللّه على لسان أحدهم ما هو الخاطر « 2 » عليه من الحال ، فيقول من سمعه : قد تكلّم الشيخ على خاطري ، والشيخ ليس معه ، حتى لو قيل له :
ما في ضمير هذا الشخص ؟ لا يعرفه .
وقال : الرّزق في طلب المرزوق دائر ، والمرزوق في طلب رزقه حائر ، وبسكون أحدهما يتحرّك الآخر .
وقال : لا يتكبّر أحد على إبليس إلّا كان أسوأ حالا منه ، ولولا علوّ مرتبته في العلم ، وعزيمته في الفعل ما خوّف اللّه منه أحدا .
* * *
( 405 ) أبو يعزّى « * »
أبو يعزّى ، يلنور بن عبد الرحمن بن ميمون الدّكالي المغربي عارف شرفه
هامش
( 1 ) من قوله : وكان يتناول الطعام . . إلى هنا من ( م ) فقط .
( 2 ) في المطبوع و ( ف ) : يجري اللّه على لسانهم ما هو الحاضر .
* التشوف إلى رجال التصوف 195 ، نفح الطيب 7 / 137 ، 138 ( ضمن ترجمة أبي مدين ) ، قلائد الجواهر 92 ، طبقات الشعراني 1 / 136 ، جامع كرامات الأولياء