ومنها : أنّ عبد الملك بن مروان حمله من المدينة مقيّدا مغلولا في أثقل قيود وأغلال ، فدخل عليه الزّهريّ رحمه اللّه لوداعه فبكى ، وقال : وددت أنّي مكانك . فقال : أتظنّ أن ذلك يكربني ، لو شئت لما كان ، وإنّه ليذكّرني عذاب اللّه . ثم أخرج رجليه من القيد ، ويديه من الغلّ ورماهما ، ثم أعادهما .
وكان يضرب به المثل في الحلم ، وله فيه حكايات عجيبة ، وأخبار غريبة .
وكان شديد الخوف من اللّه تعالى بحيث إذا توضّأ اصفرّ لونه ، وارتعد ، فيقال له : ما هذا ؟ فيقول : تدرون بين يدي من أريد أن أقوم ؟
وكان لا يعينه على طهوره أحد ، ولا يدع قيام اللّيل حضرا ولا سفرا .
وقرّب إليه طهره مرّة في وقت ورده ، فوضع يده في الإناء ليتوضّأ ، ثم رفع رأسه ، فنظر إلى السّماء والقمر والكواكب ، فجعل يتفكّر في خلقها حتى أصبح ، وأذّن المؤذّن ويده في الإناء فلم يشعر .
ومن كلامه :
إذا نصح العبد للّه في سرّه أطلعه على مساوئ عمله ، فتشاغل بذنوبه عن معايب النّاس .
وقال : فقد الأحبّة غربة .
وقال : عبادة الأحرار لا تكون إلّا شكرا للّه ، لا خوفا ولا رغبة .
وقال : كيف يكون صاحبك من إذا فتحت كيسه فأخذت منه حاجتك لم ينشرح لذلك ؟
وقال : أقرب ما يكون العبد من غضب اللّه إذا غضب .
قال : إنّ قوما عبدوه رهبة فتلك عبادة العبيد ، وآخرين عبدوه رغبة فتلك عبادة التجّار ، وقوما عبدوه شكرا فتلك عبادة الأحرار .
وقال : للّه تعالى ثلاث مائة وستّون « 1 » نظرة إلى عباده في اليوم واللّيلة ،
هامش
( 1 ) في المطبوع : ستين .