وقال : بليّة طالب الدّنيا تعطيل قلبه عن ذكر الآخرة .
وقال : من خرج من سلطان الخوف إلى عزّة الأمن اتّسعت به الخطا إلى مواطن الهلكة .
وقال : تفاوت النّاس في الزّهد على قدر صحّة العقول وطهارة القلوب ، فأفضلهم أعقلهم وأفهمهم عن اللّه .
وقال : الرّضى سكون القلب تحت مجاري الأحكام .
وقال : عملت كتابا في المعرفة وأعجبت به فبينا أنا أنظره مستحسنا ، إذ دخل عليّ شابّ وسلّم ، وقال : يا أبا عبد اللّه ، هل المعرفة حقّ للحقّ على الخلق ، أو عكسه ؟ قلت : حقّ للحقّ على الخلق ، قال : هو أولى أن يكشفها لمستحقّها ، قلت : بل حقّ للخلق على الحقّ . قال : هو أعدل من أن يظلمهم .
ثمّ سلّم وخرج ، فغسلته « 1 » وقلت : لا أتكلّم في المعرفة بعدها أبدا .
وكان بينه وبين أحمد بن حنبل وحشة ؛ فإنّ أحمد كان يشدّد النّكير على من يتكلّم في علم الكلام ، والحارث يتكلّم فيه ، فهجره لذلك ، واتّفق أنّه أمر بعض صحبه أن يجلسه بحيث يسمع كلام الحارث ولا يراه ، ففعل ، فتكلّم الحارث في مسألة في الكلام ، وأصحابه يسمعون ، كأنّما على رؤوسهم الطّير ، فمنهم من بكى ، ومنهم من صفّق « 2 » ، فبكى أحمد حتى أغمي عليه ، وقال لصاحبه :
ما رأيت كهؤلاء ، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرّجل ، ومع ذلك لا أرى لك صحبتهم .
قال السّبكيّ « 3 » : إنّما قال له ذلك لقصور الرّجل عن مقامهم ، فإنّهم في مقام ضيّق ، لا يسلكه كلّ أحد .
مات ببغداد ، سنة ثلاث وأربعين ومائتين .
* * *
هامش
( 1 ) في المختار 118 / أ : وحرّقته .
( 2 ) في طبقات السبكي 2 / 279 : فمنهم من يبكي ، ومن من يحن ، ومنهم من يزعق .
( 3 ) طبقاته 2 / 279 .