تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ) — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
وإنّما استخدمتك عقوبة لك ؛ فإنّه لا ثواب لأعمالك في الآخرة ، فقال : ما رأيت قوّتك يا جنيد « 1 » ! فقال له : اذهب يا ملعون ، أتريد أن تدخل عليّ الإعجاب بنفسي ؟ ثمّ خرج خاسئا . وكان إذا طلب أحد منه الطّريق يقول : اذهب فاخدم الملوك ، ثمّ تعال ؛ فإنّ بداية طريقنا نهاية مقام بعض الملوك .

ومن فوائده وحكمه :

لو أقبل صادق على اللّه ألف سنة ، ثمّ أعرض لحظة كان ما فاته أكثر ممّا ناله « 2 » . وقال : من لم يسمع الحديث ، ويجالس الفقهاء ، ويأخذ أدبه عن المتأدّبين ، أفسد من اتّبعه
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي
[ يوسف : 108 ] . وقال : العارف من نطق عن سرّك ، وأنت ساكت . وقال : ما أخذنا التّصوّف عن القيل والقال ، بل عن الجوع ، وترك الدنيا ، وقطع المألوف « 3 » .
هامش
( 1 ) كذا الأصل ، ولعل العبارة : ما رأيت أشد من قوتك يا جنيد . ( 2 ) قال السّبكي في طبقاته 2 / 265 : والناس يستشكلون هذه الكلمة ، ويتطلبون تقريرها ، وسألت عنها بعض العارفين بالتصوف ، فقال : معناها يظهر بضرب مثل ، وهو أن الغوّاص إذا غاص في البحر منقبا على نفيس الجواهر إلى أن قارب قراره ، وكاد يحظى بمراده أعرض وترك ، وكان ما فاته أكثر مما ناله . ( 3 ) قال الإمام الذهبي معقبا على قوله في سير أعلام النبلاء 14 / 69 ، قلت : هذا حسن ، ومراده : قطع أكثر المألوفات ، وترك فضول الدنيا ، وجوع بلا إفراط . أما من بالغ في الجوع كما يفعله الرهبان ، ورفض سائر الدنيا ، ومألوفات النفس من الغذاء والنوم والأهل ، فقد عرّض نفسه لبلاء عريض ، وربّما خولط في عقله ، وفاته بذلك كثير من الحنيفية السّمحة ، وقد جعل اللّه لكل شيء قدرا ، والسعادة في متابعة السنن ، فزن الأمور بالعدل ، وصم وأفطر ، ونم وقم ، والزم الورع في القوت ، وارض بما قسم اللّه لك ، واصمت إلا من خير ، فرحمة اللّه على الجنيد ، وأين مثل الجنيد في علمه وحاله ؟ .
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ) — صفحة 572 | المناوي / محمد أديب الجادر