يريني رفيقي في الجنّة ، فرأيت قائلا يقول : رفيقك في الجنّة ميمونة السّوداء .
قلت : وأين هي ؟ قال : بالكوفة . فخرجت ، فسألت عنها ، فقيل : هي ترعى غنيمات لنا . فتبعتها فإذا هي تصلّي وعليها جبّة صوف ، مكتوب عليها : لا تباع ولا تشترى . وإذا الغنم مع الذّئاب ، فلا الذّئاب تأكل الغنم ، ولا الغنم تخاف الذّئاب ، فلمّا رأتني قالت : ارجع يا ابن زيد ، ليس الموعد هنا ، إنّما الموعد ثمّ .
فقلت : من أين علمت أنّي ابن زيد ؟ قالت : أما علمت أنّ « الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف » « 1 » . فقلت : عظيني . فقالت : واعجباه لواعظ يوعظ ! ثم قالت : يا ابن زيد ، إنّك لو وضعت معايير القسط على جوارحك لخبّرتك بمكنون ما فيها ، يا ابن زيد ، بلغني أنّه ما من عبد أعطي من الدّنيا شيئا فابتغى إليه ثانيا إلّا سلبه اللّه حبّ الخلوة معه ؛ وبدّله بعد القرب بعدا ، وبعد الأنس وحشة ، فقلت : أرى هذه الذّئاب مع الغنم ، فلا الغنم تفزع من الذّئاب ، ولا الذّئاب تأكل الغنم ، فأيّ شيء هذا ؟ قالت : إليك عنّي ، إنّي أصلحت ما بيني وبين سيّدي ، فأصلح بين الذّئاب والغنم .
* * *
( 192 ) ميمونة السّوداء
العابدة المصريّة ، وهي غير تلك ، لها كرامات كثيرة منها : أنّها كانت إذا نزعت ثيابها اجتمعت عليها الطّيور تتبرّك بلقط هوامها .
ماتت في القرن الثّاني ودفنت بالقرافة بقرب قبر أشهب رحمة اللّه تعالى عليها .
* * *
هامش
- الرياحين صفحة 227 ( الحكاية 146 ) صاحبها الربيع بن خيثم .
( 1 ) رواه البخاري 6 / 369 ( 3336 ) في الأنبياء ، باب الأرواح جنود مجندة ، ومسلم ( 2638 ) في البر والصلة ، باب الأرواح جنود مجندة .