تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تراجم الأعيان من أبناء الزمان — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
فقال للمغربي : قل له يسلم عليك فلان ، ويقول لك قد وهبك هذه الخابية وما بها من الخمرة ، ووهب لك هذا القدح فليتمتع بذلك سالما غانما هنيئا مريئا . وترك ذلك بحاله وذهب عنه . ولما قام ابن جانبلاذ من المزة بعد أن أخذ المال المذكور ارتفع النهب عن المدينة ، وفي الحقيقة قد عفّت نفسه عن مدينة دمشق ، إذ لو أرادها ، لأوصل نفسه مرادها ، لأنها ما كانت تحمل الحصار يوما واحدا لقلّة ما فيها من الزاد ، لأن أهل دمشق غالبهم فقراء ، وما رمى عليه نائب القلعة شيئا أبدا لأنّه كان يخاف من دخوله إلى المدينة ، وأنه ينتقم منه . ولمّا فتحت أبواب المدينة في اليوم الرابع ازدحم الناس على الخروج منها أفواجا أفواجا ، ودخل إليها من نهبت أسبابهم من المحلات الخارجة فكانوا لا يعرفون لتغيّر أسبابهم وتغير وجوههم . وكان الرحيم يراهم فيبكي عليهم . فكم من غني منهم أصبح فقيرا ، وكم من رفيع الرتبة أمسى مأمورا بعد أن كان أميرا وشرعت العساكر تتراجع إلى دمشق غير مبالين بما صدر منهم من الفضيحة ، والأفعال القبيحة ، التي توجب الدمار ، وتخرب الديار . ولكن :
من يهن يسهل الهوان عليه * ما لجرح بميّت إيلام
ولما فارق ابن جانبلاذ دمشق سار على طريق البقاع ، وفارق ابن معن هناك . فدخل ابن معن إلى جبله ، وسار ابن جانبلاذ إلى حجله . لكنه لما وصل إلى مقابلة حصن الأكراد أقام هناك ، وأرسل إلى ابن سيفا يقول له : إمّا أن تصالح وتصاهر ، وإمّا أن تقابح وتصادر . وأنا لا أذهب من هذا المنزل إلا بأحد شيئين : إمّا بقتالك وإما بصلحك .