تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تراجم الأعيان من أبناء الزمان — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
فقال لهما الحاكم : أفلا نصنع ما هو خير من ذلك ؟ فقالا له : ما هو ؟ فقال : نرسله يقذف في السفن السلطانية ، فإنّ الأمر السلطاني قد ورد بتحصيل مجرمين لسدّ هذه الخدمة . فأما والده فرضي بذلك ، وأما الأم فقالت : لا أرضى بما هنالك ، ورضيت بقتله ، على أن يدفن في تربته ومحله ، لتزوره وتعرف مقرّه ، وإن فقدت في عمره بره . فوعدهما الحاكم بقتله في ليلة عيّنها لهما . ففي تلك الليلة المعيّنة دخل والد الولد المذكور إلى بيت الماء ووقع مغشيّا عليه ، فحرّك ، فإذا هو ميت ليس به روح ، بل هو هناك منبوذ مطروح ، بعد أن كان في يومه ذاك قد ذهب إلى قرية قومه وعنّن لولده المعزوم على قتله موضعا في يومه . وعز له وعز عليه أن يكون له . ففي الليل ذهب بعض الجيران إلى الحاكم وأخبروه ، وبما جرى من موت الوالد المذكور قد خبروه ، فدقّ إحدى يديه على الأخرى عجبا ، ولقي مما لقي من ذلك نصبا . ودفن الوالد مكان الولد . وللّه البقاء فهو الفرد الصمد . وأما الولد فإنه ذهب إلى حضرة أحمد باشا الوزير بحلب وتاب لديه ، وصار بذلك نظره عليه . وأعطاه تولية وقف آبائه وجدوده ، وأمات بذلك قلب مبغضه وحسوده . فالعجب ان القبر كان قد هيّأه الوالد لولده ، فصار للمهيئ لا للمهيّأ له . وهو ولده ، بعد أن مزق من الخوف كبده . ولعمري لقد صار في الدهر من هذا الشيء ما تحار له الألباب ، ويقضى منه بالعجب العجاب . ولكن سيأتي الكلام ، بعون اللّه الملك العلام . فان الفزع بعد الشدة كثير . واللّه تعالى هو الحليم الخبير . وهو حسبي ونعم الوكيل .