تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تراجم الأعيان من أبناء الزمان — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
وكانت أخلاقه متفاوتة فكان يقرب ويبعد ، ويرضى ويغضب ، ويمر ويحلو ، ويعشق ويسلو ، ويمدح ويهجو ، وقد هجا قاضي القضاة بدمشق وهو القاضي أحمد الشهير بالإياشي ولكنه أفحش في هجوه إلى الغاية ، والحال أنه ( 144 ب ) كان قد مدحه إلى الغاية وبالغ في مدحه ، ثم أفحش في هجوه ، ومطلع مدحه له :
كيف أخشى بالشام همّ المعاش * وملاذي بها جناب الإياشي
وذكر في هجوه له زوجته . ولعمري إنه تعدّى ، في ماله تصدّى ، ووقع في هفوة القباحة وتردّى ، وقد أخذ بيتين من نظم شيخه الشيخ العلامة أبي الفتح المالكي ابن عبد السلام التونسي وجعلها مبدأ هجوه للقاضي المذكور . والبيتان هما :
الشام تبكي بدموع غزار * بكاء ثكلى ما لها من قرار بكاء مظلوم له ناصر * لكن بعيد الدار والخصم جار
وهجا قاضي العسكر المنصور هو المولى كمال الدين ابن المولى أحمد أفندي الشهير بطاشكبريزاده . وكان هجوه للموالي ، سببا لطرده من منازل المعالي ، وإبعاده عن مفاخر الأيام والليالي . فإنه لما أعطي مدرسة خير الدين باشا بخمسين عثمانيّا دفعوه إلى الشام ، وأبعدوه عن قصده والمرام . فأعطوه المدرسة السليمانيّة بدمشق المحميّة ، وجاء إلى الشام بعظمة لا ترام ، ووضع على رأسه قبّة تنازع قبة النسر كبرا ، وسار سيرة صارت بين الناس مثلا وخبرا ، فكان يرفع رأسه إلى جانب السماء كأنه ينتظر حديثا يسمعه ، أو يرقب مالا يضمه إليه أو يجمعه .