وعمّر بيتا صغيرا في بيته بمحلة التعديل ، وكان يقول هذا البيت بيت الفتاوى وموضع الكتب . ومن العجب أنه نقل كتبه إلى البيت المذكور ، فكان يصفّها ويرتّبها وينظر فيها وهو ينشد هذا البيت ، وأظنّه من نظمه ومن نتيجة فهمه وهو :
أقلّبها حفظا لها وصيانة * فيا ليت شعري من يقلّبها بعدي ؟
فمات بعد ذلك بعشرين يوما . واللّه أعلم .
ولما دخل رمضان من سنة أربع عشرة بعد الألف مرض وانزعج انزعاجا كبيرا . ضرب خدمه « 1 » وهو محموم ، واختلط عقله وهو مذموم .
فقضى اللّه أنّه مات ليلة عيد الفطر من السنة المذكورة ولم تبك عليه عين ، ولا شكا أحد من أصحابه ألم الفراق عنه ولا البين . وذلك لأنه ما كان يتألّف القلوب . بل كان هجوه أكثر من مدحه ، وشكره أقلّ من قدحه . وكنت قد زرت ابن خالته الأمير إبراهيم الطالوي في محلة التعديل وهو ماكث في بستانه بالمحلّة المذكورة . فقال لي : نريد أن ندعو الشيخ درويش ( 145 جهنىّ ) يحضر معنا في هذا الموضع . فقلت له :
نعم . وشرعت انظم أبياتا لدعوته ، وأحرّر كلمات تليق بحضرته .
فجاد القلم ، بما زاد على ما رسم . والذي كتبت إليه هو قولي :
مولاي يا كعبة المعروف والكرم * ومن إلى المجد ما بين الأنام نمي
ويا أخا الجود يا من غيث راحته * إنّ شحّ يربو على هطّالة الدّيم
قد أمّ جانبكم من لا يزال بكم * يرنو إلى شرفات العزّ من أمم
هامش
( 1 ) ه « لأنه ضرب خدامه . . . » م « ضرب خديه . . . » .