يفعلوا بالمملوك شيئا ، ولا أن يأخذوا من ماله الذي معه . فبعد أيام ورد عليه سيّده رائدا قلبه الذي استمر في محبته . فلما رآه استدناه ، وما بلغ معه من العتاب لحظة ، ولا من التأنيب لفظة . فأنشدت قول الأمير أسامة بن منقذ :
أسطو عليه وقلبي لو تمكّن من * كفّي غلّهما غيظا إلى عنقي
وأستعيد إذا عاتبته حنقا * وأين ذلّ الهوى من عزّة الحنق ؟
ورجع بالمملوك له مالكا ، وفي طريق المتجاهرين بالحب سالكا .
أخبرني الشيخ محمد العربيلي قال : كنت في صحبة جلال الدين المذكور وهو يفتّش على مملوكه عند هربه . فخطر لي أنّه بمجرّد أن يلقاه يبيعه ، وأن لا يهضم هربه بماله ولا يستطيعه . فقال لي قبل أن يلقاه ، ولكنه تحقّق أن يراه ، ويحظى بلقاه : يا شيخ محمد ! إنّ هذا المملوك قد سبكته نار التعب ، وذاق ما ذاق من خوف الهرب ، فهو بعد اليوم يصير خادما لا نظير له ، فباللّه عليك لا تجاهره بالعتاب ، ولا تضرب في وجهه بكفّ التعنيف والعتاب ، خوفا عليه من ضيق الخجل والحجاب .
قال لي الشيخ محمد المذكور : فتيقّنت من ذلك أنه محب على بعده غير صبور . قال : بدليل أنّه لما قابله ما قاتله ، ولا ناضله . ولا تغيّر عليه سوى وجهه بالاصفرار ، وكلامه الذي تلجلج به لسانه المهزار ، فعلمت أنّ الحب قيّده بقيد ثقيل ، وأنّه عنه غير مائل إلى التحويل ولا التبديل :
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم * وتذنبون فنأتيكم ونعتذر
قال : فعادت الروح إلى البدن ، ورجع الساكن إلى السكن .