في سنّته وفرضه ، ونال عنده مقاما عليا ، ورقى لديه مكانا سنيّا ، حتى صار يرجع إليه في الأخذ والعطاء ، ويتّبع أفعاله في الإسراع والإبطاء .
ولما انعزل القاضي المذكور ، ذهب إلى الروم ، فلم يتبعه الجمال المذكور في السير معه فيما يروم ، ولما صار قاضيا ببروسة المحروسة أرسل اليه ، فورد عليه ولازمه هناك وقال له : أنا تابع لك فيما ساءك وهناك ، ولما ذهبا إلى قسطنطينية بعد العزل من منصب بروسة وسوست له نفسه أن يتّصل بسعد الدين أفندي ، معلم السلطان مراد . وأنّه ينال باتصاله به غاية المراد . فجفاه أستاذه لذلك ، ودعا عليه فوقع في مهاوي المهالك ، وآل به الطمع من رضوان إلى مالك ، ودعوة الأستاذ مستجابة ، وسهام غضبه لا تطيش عن مواطن الإصابة ، فمات سريعا ، وتجرّع دمه نجيعا ، لفساد نيّته على أستاذه الأول ، الذي عليه في تعلّم المهمّات المعوّل .
وذهبت كتبه وأسبابه هدرا ، ولم يلق وارثوه عنها أثرا .
ولما توجّه من الشام إلى الروم كتب اليّ من الطريق مكتوبا يستنيبني في بعض المدارس المتعلقة به .
وبنو الفرفور لهم في نواحي صيدا أوقاف كثيرة باقية من أجدادهم . وكان يتوجّه إلى الأوقاف المذكورة لتحصيل غلالها ، وجباية أموالها .
فكتبت اليه في بعض الأوقات مكتوبا مرغوبا ، وأجابني عنه جوابا حسنا ، ورقم في رسالته لفظا مستحسنا . وها أنا انقل الكتاب ، وما له من الجواب . فأما ما كتبته اليه فهو هذا :
يا جمال الزمان / يفديك خلّ * لم يزل من نداك جار البهار
يا ضياء العيون دمت لعين * شاهدت منك ساطع الأنوار
لم تزل سيّدي محلّك مني * في سواد الفؤاد والأبصار