ومن نثره الجاري مجرى الحكم والأمثال ، قوله « 1 » : من تجاوز الكفاف لم يغنه الإكثار . ربّما أورد الطمع ولم يصدر . من ارتحل الحرص أنضاه الطّلب . الحظّ يأتي من لا يأتيه . أشقى الناس أقربهم من السّلطان ، كما أنّ أقرب الأشياء من النار أسرعه إلى الاحتراق . من شارك السّلطان في عزّ الدنيا ، شاركه في ذلّ الآخرة . يكفيك للحاسد غمّه بسرورك .
ولم يزل ، رحمه اللّه تعالى « 2 » ، في طيب عيش ودعة ، وأمن من عوادى الزّمان ، إلى أن قامت الجند وأرباب الدّولة ، ووثبوا على المقتدر ، وخلعوه ، وطلبوا أن يبايعوه بالخلافة ، وألحّوا عليه في ذلك ، فقال : بشرط أن لا يقتل بسببي مسلم ، فقبلوا ذلك منه ، وبايعوه ، ولقّبوه المرتضى باللّه ، وقيل : المنصف ، وقيل : الغالب ، وقيل :
الرّاضى .
وبعث إلى المقتدر يأمره بالتّحوّل إلى دار محمد بن طاهر ، لكي ينتقل هو إلى دار الخلافة ، فأجاب ، ولكن [ ما ] بقي معه غير مؤنس الخادم ، ومؤنس الخازن ، وغريب « 3 » خاله ، وجماعة « 3 » من الخدم ، فباكر الحسين بن حمدان دار الخلافة فقاتلها ، فاجتمع الخدم فدفعوه عنها ، بعد أن حمل ما قدر عليه من المال ، وسار إلى الموصل ، ثم قال الذين عند المقتدر : يا قوم ، نسلّم هذا الأمر ، ولا نجرّب نفوسنا في دفع ما نزل بنا ! فنزلوا في الزّوارق ، وألبسوا جماعة منهم السّلاح ، وقصدوا المخرّم ، وبه عبد اللّه بن المعتزّ ، فلما رآهم من حوله أوقع اللّه في قلوبهم الرّعب ، فانصرفوا منهزمين بلا حرب ، وخرج ابن المعتزّ فركب فرسا ، ومعه وزيره محمد بن داود ، وحاجبه يمن ، وقد شهر سيفه وهو ينادى : معاشر العامّة ، ادعوا لخليفتكم . وأشاروا إلى الجيش ليتبعوهم إلى سامرّا ، ليثبتوا أمرهم ، فلم يتبعهم أحد ، فنزل ابن المعتزّ عن دابّته ، ودخل دار ابن الجصّاص الجوهرىّ ، واختفى الوزير ابن داود ، والقاضي « 4 » الحسن بن المثنّى « 4 » ، ونهبت دورهما ، ووقع النّهب والقتل في بغداذ ، وقبض المقتدر على الأمراء والقضاة الذين خلعوه ، وسلّمهم إلى مؤنس الخازن ، فقتلهم ، واستقام الأمر ، فاستوزر ابن الفرات ، ثم بعث جماعة ، فكبسوا دار ابن الجصّاص ، وأخذوا ابن المعتزّ وابن الجصّاص ، وحبس
هامش
( 1 ) معاهد التنصيص 2 / 45 ، 46 ، وبعضه في : أشعار أولاد الخلفاء 287 .
( 2 ) نقل المؤلف هذا وما يليه عن : معاهد التنصيص 2 / 41 ، 43 .
( 3 - 3 ) في النسخ : « خال جماعة » . والمثبت من : المعاهد .
( 4 - 4 ) في النسخ : « أبو المثنى » . والمثبت في : المصادر . وانظر ما يأتي .