فتوقّف عن الحكم ، فظنّ أهل مصر أن توقّفه لأجل المصرىّ ، فسئل في خلوة عن ذلك ، فقال : المصرىّ على عدالته ، ولكن السّبب البصرىّ ، وذكر منه أمرا رآه في الصّغر ، وقال :
لا تطيب نفسي إذا ذكرت ذلك أن أقبل شهادته .
وقيل « 1 » : إنه ذكر أنه أكل معه أرزا في سمن ، فنفد العسل الذي من ناحية بكّار ، ففتح من جهة صاحبه حتى جرى إليه ، فقال له
( أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها )
« 2 » .
فقال : له بكّار : أتهزأ بالقرآن في مثل هذا !
فبقيت في نفسه عليه .
وكان بكّار « 3 » في غاية العفاف ، وسلامة الصّدر ، اتّفق أنه دخل عليه بعض أمنائه ، وهو مخرّق الثّياب ، فقال : بعثني أحفظ تركة فلان ، فصنع بي جاره هذا .
فقال : أحضروه .
فأحضره الأعوان ، فقال له بكّار : أنت صنعت هذا بأمينى « 4 » ؟
قال : نعم .
فقال : خذوه .
فأخذه الأعوان ، فسقط ميّتا ، فدهش بكّار ، فقال له أمناء القاضي : هذا عمله « 5 » اليوم ، مات مرتين .
فاستوى الرجل جالسا ، فقال : كذبوا والله ، ما متّ إلّا الساعة . ورقد .
فجعل بكّار يرشّ عليه ماء الورد ، ويشمّه « 6 » الكافور ، ويرفق به ، ويعده ، إلى أن قام فصرفه ، وأقبل على أعوانه ، فقال : هدّدتموه وجررتموه ، فلو وافق أجله ! .
هامش
( 1 ) رفع الإصر 1 / 146 .
( 2 ) سورة الكهف 71 .
( 3 ) رفع الإصر 1 / 147 .
( 4 ) في الأصول : « أنت منعت هذا يا مسئ » ، والمثبت في رفع الإصر ، ولكل من الروايتين محمل ، وربما تصحفت واحدة عن الأخرى .
( 5 ) ضبطت في رفع الإصر بفتح العين وكسر الميم ، على أنه فعل .
( 6 ) في الأصول : « ويشممه » ، والمثبت في رفع الإصر .