وذلك أن قريشا لم يهدئ من ثورتها ، ولم يذهب من غيظها ، ولم يطامن من
أحقادها ، هجرة المسلمين إلى الحبشة ، بل خشيت أن يقوى هناك بأسهم ، ويتكاثر
جمعهم . . . وحتى إذا لم تؤاتهم فرصة التكاثر والقوة ، فقد عز على كبريائها أن ينجو
هؤلاء من نقمتها ، ويفلتوا من قبضتها . . . ويظلوا هناك في مهاجرتهم أملا رحبا تهتز
له نفس الرسول ، وينشرح له صدر الإسلام .
هنالك قرر سادتها إرسال مبعوثين إلى النجاشي يحملان هدايا قريش
النفيسة ، ويحملان رجاءها في أن يخرج من بلاده هؤلاء الذين جاءوا إليها لائذين
ومستجيرين . . .
وكان هذان المبعوثان : عبد الله بن أبي ربيعة ، وعمرو بن العاص ، من قبل
المشركين .
* * *
كان ( النجاشي ) الذي يجلس على عرش الحبشة ، رجلا يحمل إيمانا
مستنيرا . . . وكان في قرارة نفسه يعتنق مسيحية صافية واعية ، بعيدة من الانحراف ،
نائية عن التعصب والانغلاق . .
وكان ذكره يسبقه . . وسيرته العادلة ، تنشر عبيرها في كل مكان بلغه . .
من أجل هذا ، اختار الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بلاده دار هجرة لأصحابه . .
ومن أجل هذا ، خافت قريش ألا تبلغ لديه ما تريد فحملت مبعوثيها هدايا
ضخمة للأساقفة ، وكبار رجال الكنيسة هناك ، وأوصى زعماء قريش مبعوثيهم
ألا يقابلا النجاشي حتى يعطيا الهدايا للبطارقة أولا ، وحتى يقنعاهم بوجهة
نظرهما ، ليكونوا لهما عونا عند النجاشي .
وحط المبعوثان رحالهما بالحبشة ، وقابلا بها الزعماء الروحانيين كافة ، ونثرا
الأعلام من الصحابة والتابعين — صفحة 60
مساهمون: حسين الشاكري
ص٦٠