في ميدان الفضل والبيان وأحرزوا التحصيل عند سابق الفرسان تضلع من العلم وبلغ إلى نصابه ولم ينض عنه ثوب شبابه ولج في بيوت المعارف من كل باب والتحق بالشيوخ وهو في سن الشباب وكان من جملة من تدرع الصيانة وبرّز في العفاف والديانة وقد ألحق نفسه بزمرة الصوفية واسترشد ببعض المشايخ الخلوتية وكان في قول الحق من السيوف الصوارم لا يخاف في اللّه لومة لائم لا يثني عنان عزيمته المجالس ولا يصرف زمام صريمته طغية المنافس شديد العزم والباس يخافه الناس قلما تلد مثله النساء عليه رحمة اللّه تعالى ما تعاقب الصبح والمساء .
* ( ومن المخاديم الأعيان وخلص أبناء العصر والأوان عبد الكريم بن محمد ابن أبي السعود ) *
نشأ رحمه اللّه في روضة المجد والافضال ودوحة العز والاقبال إلى أن مني والده بشدائد الفوت والانتقال فتكفل أمره جده المولى أبو السعود وأسبل عليه أذيال ملابس الفضل والجود وتربى في كنف حمايته عدة سنين إلى أن صار ملازما منه وقلد أولا بمدرسة محمود باشا بخمسين وكان ذلك له تعظيما لجده على خلاف العادة فتصدى مدة للدرس والإفادة ثم نقل إلى مدرسة أبي أيوب الأنصاري عليه رحمة الباري ثم نقل إلى احدى المدارس الثمان ثم إلى احدى مدارس السلطان سليمان وقد أسرع في النقل والحركات حتى مضى بين نصبه هذا وقراءته المختصرات قدر ثمان أو تسع سنوات وتوفي رحمه اللّه مدرسا بهذه المدرسة وما بلغ عمره ثلاثين سنة ( وذلك سنة احدى وثمانين وتسعمائة ) كان رحمه اللّه مخدوما مؤدبا ذا وجاهة فيه من الكرم والحزم والنباهة مشهورا بحسن الخط والكتابة من بين من حلّ بهذه المثابة مستحسنا في الزي واللباس متلطفا معاملة الناس وقد داوم على الاشتغال والدرس حتى أفضت به المنية إلى الرمس .
* ( وممن قرع لعوالي صيته مسامع الأكوان وافتخر بدرة وجوده صدف العصر والاوان وألقى اليه الشرف الواضح مقاليده وملك من العز الشامخ طريفه وتليده واستولى على عمائر البراعة ببيض الطروس وسمر اليراعة وبرّز في هذه لأقطار وساد وبنى بيت التقدم على أرفع الاعماد المولى المعظم والمفتي المفخم