خالد بن الوليد في عدد من المسلمين ، فدخلوا من أسفلها ، فعرض لهم عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو بالخندمة « 1 » ، فهزمهم وقتل منهم اثني عشر أو ثلاثة عشر رجلا ، ولم يقتل من خيل خالد إلا سلمة بن الميلاء الجهني ، وكان كرز بن جابر الفهري وخنيس بن الأشعر قد شذا عن خالد وسلكا طريقا غير طريقه فقتلا « 2 » ، وقد كان صلّى اللّه عليه وسلم عهد إلى أمرائه ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم ، إلا أنه أمر بقتل جماعة سماهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة ، فقتل بعضهم « 3 » واستؤمن لبعض « 4 » .
وكان فتح مكة لعشرين بقين من رمضان ، ولما انتهى النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى البيت . . طاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن بيده « 5 » ، وهو منكّس رأسه تواضعا للّه تعالى ، ثم دعا بمفتاح الكعبة - وكان بيد عثمان بن طلحة بن أبي طلحة الحجبي العبدري « 6 » ، وبيد ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة - فأتي به ، ففتح الكعبة وركع فيها ركعتين ، وكسر ما كان فيها من الأوثان ، وطمس الصور ، فأخرج مقام إبراهيم « 7 » ، فسأله العباس أن يجمع له السدانة مع السقاية ، فأنزل اللّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ،
فدعا عثمان وشيبة فأعطاهما المفتاح وقال : « خذاها خالدة تالدة لا ينزعها
هامش
- الأنصار ، وكانت راية المهاجرين مع الزبير ) . والحجون : جبل بأعلى مكة ، عنده مدافن أهلها .
( 1 ) الخندمة : جبل بمكة .
( 2 ) هذه رواية ابن إسحاق عند ابن هشام في « السيرة » ( 4 / 407 ) ، وعند البخاري ( 4280 ) : أنه قتل من خيل خالد :
حبيش بن الأشعر ، وكرز بن جابر الفهري ، وانظر ما جاء في ترجمة خنيس بن الأشعر عن الخلاف في ضبط اسمه .
( 3 ) كعبد العزى بن خطل الذي أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بقتله حين أخبر أنه متعلق بأستار الكعبة ، كما في « البخاري » ( 4286 ) ، والحويرث بن نقيدر ، ومقيس بن صبابة ، والحويرث بن الطلاطل .
( 4 ) كعكرمة بن أبي جهل ، وعبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ، وعفا صلّى اللّه عليه وسلم عن بعض ، كهبّار بن الأسود ، وكعب بن زهير ، وهند بنت عتبة .
( 5 ) أخرجه ابن خزيمة ( 2781 ) ، وابن حبان ( 3828 ) ، وأبو داود ( 1873 ) ، والمحجن : عصا محنية الرأس يتناول بها الراكب ما يسقط له ، ويحرك بطرفها بعيره للمشي .
( 6 ) الحجبي : نسبة إلى حجابة الكعبة ، وهي ولايتها وفتحها وإغلاقها وخدمتها ، والعبدري : نسبة إلى عبد الدار .
( 7 ) وقد كان في الكعبة ، كما أخرج ابن مردويه من طريق الكلبي ، انظر « تفسير ابن كثير » ( 1 / 516 ) ، و « الدر المنثور » ( 2 / 570 ) ، والكلبي فيه ما فيه ، وعند البيهقي في « الدلائل » ( 5 / 45 ) : ( فكان المقام - زعموا - لاصقا بالكعبة ، فأخّره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مكانه هذا ) . ويدفع ذلك - واللّه أعلم - ما أخرجه أبو الوليد الأزرقي في « أخبار مكة » ( 2 / 25 ) بأسانيد صحيحة - كما قال الحافظ في « الفتح » ( 1 / 499 ) - : ( أن موضع المقام هذا الذي هو به اليوم هو موضعه في الجاهلية وفي عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، إلا أن السيل ذهب به في خلافة عمر ، فجعل في وجه الكعبة حتى قدم عمر فاستثبت في أمره حتى تحقق موضعه الأول ، فأعاده إليه وبنى حوله ، فاستقر ثمّ إلى الآن ) .