وسلم ، ولم يجبه بشيء ، ورجع خائبا ، وقال : « اللهم ؛ خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها » « 1 » .
ثم إن حاطب بن أبي بلتعة كتب كتابا إلى قريش يخبرهم بمسير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، قال السهيلي : ( وكان في كتابه : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد نفر بجيش يسير كالسيل ، فإما إليكم وإما إلى غيركم ، فخذوا حذركم ، وأقسم باللّه ؛ لو جاءكم وحده . . لنصره اللّه عليكم ؛ فإنه منجز وعده ) « 2 » ، فأخبر جبريل النبي صلّى اللّه عليه وسلم بذلك ، فبعث صلّى اللّه عليه وسلم عليا والزبير وأبا مرثد الغنوي ، وكلّهم فوارس ، فقال لهم : « انطلقوا إلى روضة خاخ ؛ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين » ، فأدركوها تسير على بعير لها حيث قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأخذوا الكتاب منها وانطلقوا به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم لحاطب : « ما حملك على ما صنعت ؟ ! » فقال : واللّه ؛ ما بي إلا أن أكون مؤمنا باللّه ورسوله ، أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع اللّه بها عن أهلي ومالي ، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع اللّه به عن أهله وماله ، فصدقه صلّى اللّه عليه وسلم ، فاستأذن عمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم في ضرب عنقه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إنه من أهل بدر ، وما يدريك لعل اللّه اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم . . فقد غفرت لكم » « 3 » أي :
إنه سبق في علم اللّه سبحانه أنه لا يصدر من بدري زلة أو هفوة إلا وتلافاها بالتوبة الموجبة للمغفرة .
ثم خرج صلّى اللّه عليه وسلم من المدينة إلى مكة في عشرة آلاف من المسلمين ، واستعمل على المدينة كلثوم بن حصين الغفاري ، فلما بلغ الجحفة . . لقيه عمه العباس مهاجرا ببنيه ، وكان بعد إسلامه مقيما بمكة على سقايته ، وعذره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولقيه أيضا ببعض الطريق ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وابن عمته عبد اللّه بن أبي أمية أخو أم سلمة لأبيها ، فكلمته أم سلمة فيهما ، فقال : « لا حاجة لي بهما ؛ أما ابن عمي . . فهتك عرضي ، وأما ابن عمتي وصهري . . فإنه قال لي بمكة
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في « الكبير » ( 23 / 434 ) ، والطبري في « التاريخ » ( 3 / 47 ) .
( 2 ) « الروض الأنف » ( 7 / 203 ) .
( 3 ) أخرجه البخاري ( 3983 ) ، ومسلم ( 2494 ) ، وروضة خاخ : موضع بين الحرمين ، بقرب حمراء الأسد من المدينة ، وفي رواية عند البخاري : « اعملوا ما شئتم . . فقد وجبت الجنة » .