ولد في منتصف ذي القعدة سنة ثلاث وستّين وسبع مائة ، وكان أبوه يؤدّب الأطفال ، فنشأ ابنه طالب علم فحفظ القرآن وكتبا ، واشتغل وهو شاب ، وسمع الحديث على إبراهيم بن إسحاق الآمدي ، والبرهان بن جماعة ، والمنوفي وابن الشّيخة في آخرين ، وأوّل ما تخرّج بقريبه المجد إسماعيل ، ولازم البدر الزّركشي ، وتمهّر به ، وحرّر بعض تصانيفه ، وحضر دروس البلقيني وقرأ عليه ، وأخذ أيضا عن الأبناسي ، وابن الملقّن ، والعراقي وغيرهم ، وأمعن في الاشتغال مع ضيق الحال ، وكثرة الهمّ بسبب ذلك ، وناب في الحكم ، ثم أعرض ، وكان في كلّ سنة يقسّم كتابا من المختصرات ، فيأتي على آخره ، ويعمل وليمة فانتفع به خلق ، ثم استدعاه النّجم ابن حجي وكان رافقه في الطّلب عند الزّركشي فتوجّه لدمشق في سنة إحدى وعشرين فأكرمه وأنزله عنده ، وجلس بالجامع يقرئ ويفتي ، ثم رجع إلى مصر ، ثم استقدمه أيضا سنة ثلاث وعشرين ، فاستنابه في الحكم وفي الخطابة ، وولي إفتاء دار العدل عوضا عن الشّهاب الغزّي ، ثم تدريس الرّواحية ونظرها عن البرهان ابن خطيب عذراء ، وعكف عليه الطّلبة ، وأقرأ « التّنبيه » و « الحاوي » و « المنهاج » ، كلّ واحد في سنة وغير ذلك ، فاشتهرت فضيلته ، فمات ولده محمد فجزع عليه ، وكره لذلك الإقامة بدمشق فزوّده ابن حجي ، وكتب له إلى معارفه بالقاهرة ، فوصلها في رجب سنة ستّ وعشرين ، وقد اتّسع حاله ، فتصدّى للإفتاء والتّدريس والتّصنيف ، وانتفع به خلق ، وباشر وظائف الوليّ العراقي نيابة عن حفيده ، وحجّ في سنة ثمان وعشرين ، وجاور التي بعدها ، ونشر / العلم أيضا هناك ، ثم رجع ، وأقام بالقدس ، فولي تدريس الصّلاحية ، وانتفع به أهل تلك النّاحية ، ولم ينفصل عنها إلّا بالموت .
وكان إماما علّامة في الفقه والأصول والعربية وغيرها ، مع حسن الخطّ والنّظم والتّودّد وكثرة المحفوظ ، والتّلاوة والوقار والتّواضع ، وقلّة الكلام ، ذا شيبة نيّرة ، وهمّة عالية .
القبس الحاوي لغرر ضوء السخاوي — صفحة 200
مساهمون: عمر الشماع الحلبي
ص٢٠٠